“الطائف”: بين المدح والقدح!


أخبار بارزة, خاص 8 تشرين الثانى, 2022

كتب رامي الريّس لـ “هنا لبنان”:

قيل الكثير عن اتفاق الطائف في إطار المدح، وقيل أكثر منه في إطار القدح. الواقع أن إتفاق الطائف هو إتفاق سياسي أولاً وأخيراً. لم ينعته أحد بصفات القداسة، ولا تسري عليه قيود عدم المس. هو وليد لحظة سياسيّة معيّنة أسهم في إسكات المدفع وإعادة إطلاق عمليّة إعادة الإعمار بعد سنوات طويلة ومدمرة من الحرب الأهليّة القاسية.
أي إتفاق سياسي لإنهاء حقبات من النزاع العسكري والدموي يعكس موازين القوى المؤثرة في لحظة التوصل إليه، ويعكس أيضاً تقاطعاً بين مصالح متناقضة تعاكست الظروف لتتيح لها أن تتقارب بعد أن كانت تتصارع في ساحة القتل بالواسطة وعبر الأدوات المحليّة.
هذه هي مأساة الدول الصغيرة والضعيفة مثل لبنان. يتيح الإنقسام الداخلي دوماً المجال للتأثيرات، لا بل التدخلات الخارجيّة السياسيّة المباشرة أحياناً، وصولاً إلى “الإنقضاض” العسكري، كالغزو الإسرائيلي مراراً وتكراراً، والدخول السوري إلى لبنان سنة ١٩٧٦.
في نهاية المطاف، ليس هناك أي إتفاق ميثاقي مثالي من شأنه أن يرضي جميع الأطراف. هذا أمر محسوم، خصوصاً في المجتمعات التعدديّة مثل لبنان، لأنه، بكل بساطة المطالب شديدة التناقض وهي تنطلق بغالبيتها الساحقة من إعتبارات طائفيّة ومذهبيّة ومحاصصتيّة، ما يجعل تلبيتها أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.
من هنا، يبرز مفهوم “التسوية” الذي يرتكز على فكرة تقدّم الأطراف المتناقضة خطوات إيجابيّة إلى الأمام تتيح بناء تفاهمات تكرّس الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني وتؤسس للمناخات المطلوبة لبناء الدولة، دولة الدستور والقانون والمؤسسات.
إذا كانت ثمّة أطراف سياسيّة تواصل إنتقادها لإتفاق الطائف ليل نهار، وهذا حق مشروع لها في إطار النظام الديمقراطي (حتى إشعار آخر)، فمن المحق أيضاً التساؤل ما إذا كان نظام ما قبل “الطائف” يؤمن الاستقرار والعدالة الاجتماعيّة والرفاهيّة للبنانيين.
ثم، ما هذا الحديث الذي لا ينتهي عن “المؤتمر التأسيسي”؟ لقد تأسس لبنان وتكرّست حدوده السياسيّة والجغرافيّة حتى ولو أنها لم تُرسم بشكل علمي ورسمي مع سوريا وقبرص بالإضافة إلى الحدود البريّة مع فلسطين المحتلة.
صحيح أن مشروع الدولة بمعانيها ووظائفها السياديّة والدفاعيّة والإجتماعيّة غير مكتمل بسبب التأثيرات الخارجيّة والانقسامات الداخليّة، ولكن الصحيح أيضاً أن تكرار طرح المؤتمر التأسيسي ينم إما عن نوايا مبيّتة خبيثة أو عن مقاربات صبيانيّة تافهة. ورغم الفارق بين هاتين المقاربتين، إلا أنهما يصبّان في هدف واحد: تخريب “الطائف” والانقضاض عليه واستبداله بما لا يشبه لبنان ودوره ورسالته.
فلنطبّق “الطائف” كاملاً لا سيّما في الشق المتبقي من الإصلاحات السياسيّة، ومن بعدها… “لكل حادث حديث”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us