القطاع الصحي ينازع.. وخطّة النهوض رهينة التمويل


أخبار بارزة, خاص 26 آب, 2023

أكثر من نصف سكان لبنان اليوم يعانون من فقدان خدمات التغطية الصحية بالكامل، ومحدودية وصولهم إلى خدمات صحية شاملة وذات أسعار معقولة

كتبت باولا عطية لـ “هنا لبنان”:

أكثر من أربع سنوات مضت والقطاع الصحي في لبنان يراوح مكانه، وكأنّه في عناية مشدّدة بانتظار أعجوبة تشفيه من المرض الخبيث المتغلغل في كلّ جوانبه. فبعد أن كان لبنان مستشفى الشرق، عصفت الأزمة الاقتصادية بالقطاع الصحي وانعكست تراجعاً في الخدمات الصحية كافة إن لم نقل شللاً تاماً في القطاع الصحي، فباتت الطبابة حكراً على الأغنياء بدل من أن تكون من الحقوق البديهيّة لكلّ فرد. فمن فواتير الأدوية الغالية، (في ظلّ انعدام دعم الصناعة المحلية للدواء في لبنان، حيث أنّ هناك 12 صنفاً محلياً فقط) وغير المتوفّرة بمعظمها في الصيدليات (لتفضيل الأدوية المستوردة على البديل)، إلى الدعم المحدود للأدوية السرطانيّة والأمراض المزمنة، وانتشار المزوّرة منها في ظّلّ عجز الدولة عن ضبط التهريب أو احتكار الأدوية، (على الرغم من محاولة الوزراء المتعاقبين وآخرهم وزير الصحة فراس الأبيض خلق نظام إلكتروني يسمح بتعقّب الدواء من المصدر إلى المريض) فضعف الجهات الضامنة الرسميّة، مقابل ارتفاع بدل خدمات الجهّات الضامنة الخاصّة، وصولاً إلى فاتورة الطبابة المرتفعة التي يتقاضاها الأطباء، ولا يستطع إليها سبيلاً أصحاب الدخل المحدود، ولا تكفي الأطباء أيضاً (فمنذ بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان، هاجر نحو 3500 طبيب، ناهيك عن هجرة ما لا يقل عن 3000 ممرض وممرضة)، ووصولاً إلى تكلفة العمليّات الجراحيّة الباهظة في المستشفيات الخاصّة والتي بدورها لا تلام، وفق ما تتكبّده من مصاريف وتكاليف تشغيليّة. فكلّ ما تستورده من أدوت طبّية ومعدّات ومحروقات لتشغيل المولّدات تدفعه بالدولار، فيما لا تزال تنتظر الدولة لدفع المستحقات المتوجّبة عليها.

كلّ ما تقدّم كافٍ لتوصيف واقع القطاع الصحي في لبنان، الذي “لا حول ولا قوّة له”. وفي جولة على الأرقام، يتبيّن بحسب تقرير نشره المركز اللبناني للدراسات “LCPS” بعنوان: “هيكلة القطاع الصحي في لبنان في ظل الأزمة الإقتصادية”، أنّ أكثر من نصف سكان لبنان اليوم يعانون من فقدان خدمات التغطية الصحية بالكامل، ومحدودية وصولهم إلى خدمات صحية شاملة وذات أسعار معقولة. كما ارتفعت قيمة نفقات السكّان الخاصة على الصحة إلى أكثر من 85% من مجموع دخلهم.
هذا وشكلت الأزمة الإقتصادية ضربة قاسية، إذ زادت من أعباء القطاع الصحي، وأثرت سلباً على قدرة الصناديق العامة على تقديم حماية إجتماعية وخدمات تغطية صحية مناسبة، حيث أصبحت التغطية الفعلية ضئيلة جداً، جرّاء انهيار العملة.
واليوم، أصبح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي غير قادر على تغطية تكاليف الخدمات الصحية سوى بنسبة 10% فقط، ليدفع المواطن القيمة المتبقية، الأمر الذي دفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى شركات التأمين الخاصة، أو تحمّل التكاليف من مدخولهم الخاص، حيث ارتفعت نسبة التحمل من 33.1% في عام 2018 إلى 85% في عام 2022. كما أثرت هذه الأزمة بشدة على إمكانات الوصول إلى الدواء، وشهد السوق انخفاضاً حادّاً بمخزون الدواء، بنسبة 50% منذ بدء الأزمة، ما حرم أكثر من 70% من اللبنانيين من الوصول إلى الأدوية الأساسية.
هذه الأرقام ناقوس خطر يدقّ ويدفعنا للبحث عن الحلول التي قد تنهض بالقطاع الصحي اللبناني الذي أنهكته الأزمة الإقتصاديّة وأضعفته.
ولذلك شهد القطاع الصحي اللبناني مؤخراً خطة نهوض جديدة عُرِفت بـ”الإستراتيجية الوطنية للصحة – رؤية 2030″. وقال وزير الصحة اللبناني الدكتور فراس الأبيض الذي كشف عن الخطة، إن الغاية منها حصول الجميع على رعاية صحية كاملة في المستقبل من دون الوقوع في ضائقة مالية. وإنّ من أهداف الإستراتيجية، تسليط الضوء على الأولويات، وضمان حصول الجميع على رعاية صحية ذات قيمة وجودة عاليتين”.
و تتمحور الإستراتيجيّة بشكل أساسي حول حاجات الأفراد، كما ستساعد في مواءمة جهود الدعم الدولي المقدّم للبنان ومضاعفته، وستشكل قاعدة للإستجابة المنسّقة، إن كان للإحتياجات الصحية الطارئة أو لبناء نظام صحي متكامل ومتين.
ومنطلق الخطة، أن مراكز الرعاية في لبنان بحاجة إلى دعم على مستويات عدّة، لذلك فهي تهدف إلى تنظيم كيفية إنفاق الأموال التي تأتي من الجهات المانحة من خارج البلاد. وهناك قسم منها يتمحور حول التحوّل الرقمي نظراً لأهميته حاضراً ومستقبلاً، لا سيما في المجال الطبي. فمن المهم تتبُّع سير الأدوية الواردة من الخارج لضبط الغش الذي يحصل فيها أحياناً، كما يجب تتبُّع حركة الأدوية في الصيدليات وذلك لمصلحة الجميع. ويتحدث العديد من قادة القطاع الصحي في لبنان عن أن البلد يتحضّر لنقلة نوعية على هذا الصعيد، مشيدين بفئتين من المساهمين في هذه النهضة: المموّلون، وهم عصب أي مبادرة لتوسيع القطاع وتحديثه، ولإعادة رفده بما يحتاج من مستلزمات، والمتخصّصون الطبّيون، وهم الأساس في رفع المستوى الطبي في لبنان إلى الذروة وتخطّي كل ما ألحقت به أزمة كورونا والأزمة الإقتصادية من تداعيات.
شددت الإستراتيجية الصحية على النقاط التالية:
– تعزيز حوكمة القطاع الصحي.
– وضع الرعاية الصحية الأولية كحجر أساس لتقديم خدمات أساسية عالية الجودة، خاصة للشريحة الأكثر هشاشة في المجتمع.
– الإستثمار في تعزيز نظم الصحة العامة والتأهب للطوارئ، من أجل توفير خدمات أساسية مثل المختبر المركزي ومركز عمليات الطوارئ الصحية.
– الإستجابة لنقص القوى العاملة.
– تسليط الضوء على التحول الرقمي كإجراء أساسي لتعزيز الشفافية والمساءلة، والمساهمة في استعادة الثقة في المؤسسات العامة.
وسط هذه الخطط الهادفة إلى تزخيم حركة القطاع الصحي اللبناني وتجويد خدماته، لا بد من العمل أيضاً على تنشيط السياحة الصحّية. وهذا القطاع لطالما كان لبنان بين المتفوقين به بين عدد قليل من بلدان المنطقة. ويستقطب هذا الجانب من الممارسة الطبية ملايين الأشخاص ويدر مليارات الدولارات.
ولبنان الذي كان رائداً في هذا المجال تلقى مجموعة من الضربات الموجعة وفي آن واحد. فتزامنت الإضطرابات السياسية والإنهيار المالي واستمرار تدفق النازحين ووباء كورونا، خالقةً ظروفاً أدت مجتمعةً إلى إرهاق شديد لنظام الرعاية الصحية. وما كان ينقصه ليزداد حدّةً إلا تقليص الميزانية الإجمالية لوزارة الصحة في لبنان من 486 مليون دولار عام 2018 إلى أقل من 37 مليون دولار عام 2022.

في المحصّلة تبقى أيّ خطّة لتعزيز القطاع الصحي في لبنان رهينة التمويل، والقرار السياسي. وإذا لم يتّخذ المعنيّون قراراً باللحاق بهذا القطاع وإنقاذه على وجه السرعة، سيترك لمصير مجهول يصارع الأزمة محاولاً الصمود، فيما يخلّف وراءه آلاف الضحايا العاجزين عن الحصول على الخدمة الصحيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us