العدالة في العام 2024.. اختبار البقاء أو الزوال


خاص 1 كانون الثاني, 2024

شكّل العام 2023 نقطة تحوّل في ممارسة وأداء السلطة القضائية، لجهة إظهار العجز عن مواجهة التدخلات السياسية في أدائه، ووقف الهجمة الدولية تجاهها، وعجزها عن تنقية نفسها من الشوائب، وإخفاقها في تثبيت استقلاليتها.


كتب يوسف دياب لـ “هنا لبنان”:

تميّز لبنان تاريخياً بثقافة الإفلات من العقاب، تحديداً في جرائم الاغتيال السياسي التي حصلت إبان الوصاية السورية على لبنان، وجرى تجهيل مرتكبيها إلى حدّ تطويع العدالة ومنعها من الوصول إلى كشف حقيقة تلك الجرائم سواء بالترغيب أو الترهيب.

هذه الثقافة حافظت على موروثاتها حتى بعد مرحلة الوصاية، فالعقلية السياسية والأمنية التي شاركت آل الأسد في حكم البلد والهيمنة على قراره وأمعنت في ارتكاباتها، حافظت على مكاسبها واستمرّت في نهجها، بدليل أن القضاء اللبناني وكلّ الأجهزة الرسمية التي تعمل بإمرته، ما زالوا عاجزين عن كشف خيوط جريمة وإيصال منفذيها إلى قوس العدالة، طبعاً باستثناء جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التي كان مقدراً لها أن تنتهي إلى تجهيل الفاعل لولا تدويلها وإنشاء بعثة تقصّي حقائق ولجنة تحقيق دولية ومن ثمّ محكمة مستقلّة في لاهاي حددت الجهات التي خططت لجريمة العصر، والأدوات التي نفّذتها، علماً أن المنفذين الذين حولّهم فائض القوة إلى “قديسين” ما زالوا فارين من العدالة، عدا عن أن عشرات الجرائم التي أعقبت اغتيال الحريري وطالت قيادات في ثورة الأرز، ارتكبت بنفس الأسلوب والطريقة والأدوات، لكن الادعاء دوّن بحق مجهولين مفلتين من العقاب.

مبرر هذا الكلام، يفضي للقول إن الأسباب التي حالت دون كشف الجرائم السياسية هي نفسها التي عطّلت التحقيق بجريمة انفجار مرفأ بيروت باعتبارها جريمة سياسية بامتياز، باعتبار أن معظم رموز السلطة باتوا في دائرة الاتهام، وبأحسن الأحوال في خانة المشتبه بهم، فقوّضوا العدالة واستماتوا من أجل إقفال هذا الملفّ بشكل دائم ونهائي، كي لا يكون ثمة أمل بفتحه مجدداً واستئناف الإجراءات فيه.

من حقّ المتضررين من الملاحقة سواء كانوا سياسيين أو أمنيين أو موظفين الاعتراض على أسلوب القاضي طارق البيطار في إدارة الملفّ، لكن ليس من حقّهم تقويض العدالة ومنع اللبنانيين من معرفة المسؤولين عن تدمير عاصمتهم، وحرمان أهالي الضحايا من معرفة من تسبب بقتل أبنائهم وأحبائهم.

عامان مرّا على تعطيل التحقيق بملفّ المرفأ والقضاء لم يقل كلمته، لا بل لم يتمكّن أقلّه من حلّ النزاع بين القضاة المختلفين على بقاء طارق البيطار أو إقالته من هذا الملفّ، وبالتالي إذا كانت المشكلة في الرجل فعلى مجلس القضاء أن يتحمّل مسؤوليته، أما إذا كانت المشكلة مع الملفّ برمته والتوجّس مما فيه، لا يجوز للقضاء أن يبقى صامتاً على استهدافه وتطويقه وتطويعه، لأن المسألة باتت تشكل ضرباً للمصلحة الوطنية العليا، وللأمن اللبناني برمته.

لا خلاف على أن التحقيق بجرائم الاغتيال السياسي التي طالت أفراداً بعينهم، تعدّ قضيّة حياة أو موت بالنسبة لكثيرين، فكيف بجريمة مرفأ بيروت التي تمثّل اغتيالاً للبلد ولتاريخه وتراثه ومستقبل أبنائه؟ لقد نجح طارق البيطار في مستهلّ العام 2023، في كسر الطوق الذي يحيط بملفّه، وتجرّأ على وضع دراسة قانونية تجيز له استئناف إجراءاته رغم عشرات دعاوى الردّ والمخاصمة المقامة ضدّه بغض النظر عن صحة هذه الدراسة من عدمها ومدى مطابقتها للقوانين، إلّا أنه لا يجوز بأي حال من الأحول الانقلاب على كلّ المفاهيم القانونية، عبر الإجراءات التي استتبعت خطوة البيطار، من هنا يمكن وصف العالم 2023 بـ”عام النكبة القضائية”، الذي شكّل حالة استسلام كلّي لمشيئة التعطيل والمتمردين على حكم القانون، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة: لماذا لم يبدأ القاضي حبيب رزق الله تحقيقاته مع البيطار في دعوى النائب العام التمييزي غسان عويدات ضدّه، حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟

إن ضرب ملفّ المرفأ ومحاولة إنهائه، بات يشكّل نقطة تقاطع مصالح داخلية وخارجية، بدليل انكفاء التعاون الدولي مع لبنان، سواء بالإحجام عن تسليم صور الأقمار الاصطناعية، أو بالامتناع عن تنفيذ استنابات مرتبطة بأشخاص تحوم حولهم شبهات التورط في شراء شحنة نيترات الأمونيوم وشحنها من جورجيا إلى مرفأ بيروت، ودور رجال أعمال سوريين معروفي الانتماء والتبعية السياسية، ولا متابعة البحث عن أصحاب الباخرة “روسوس” لتوضّح أسباب إبحارها إلى مرفأ بيروت ورسوها فيه، في وقت شهد العام المنصرم هجمة غير مسبوقة للقضاء الأوروبي، وممارسته ما يشبه الوصاية على القضاء اللبناني في عدد من الملفات، دون أن يأخذ القيمون على الشأن القضائي أي اعتبار لمبدأ السيادة الوطنية.

لقد شكّل العام 2023 نقطة تحوّل في ممارسة وأداء السلطة القضائية، لجهة إظهار العجز عن مواجهة التدخلات السياسية في أدائه، ووقف الهجمة الدولية تجاهها، وعجزها عن تنقية نفسها من الشوائب، وإخفاقها في تثبيت استقلاليتها، بدليل أن رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، قدّم ما يشبه “الرثاء” لاستقلالية القضاء اللبناني، في كلمة ألقاها في مؤتمر “استقلالية مجالس القضاء العليا” في العاصمة الفرنسية باريس، والتي “كلّ يطالب باستقلالية القضاء، لكن من أجل قضاء على قياسه”، لكن اللبنانيين المؤمنين بوطنهم ما زالوا يراهنون على وطن العدالة وحكم القانون، من هنا فإن العام الجديد هو آخر اختبار للقضاء، وعليه إما يبقى لبنان أو يزول.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us