الجار المريب‎


خاص 4 كانون الثاني, 2024

الصراع هو بين إسرائيل وحماس والحزب، أما ما يعني اللبنانيين فهو ألّا يكونوا جيران أي من هؤلاء الأعداء كي لا يجلبوا لهم معهم نيران حربهم ودمار ثأرهم


كتب محمد سلام لـ “هنا لبنان”:

إغتيال صالح العاروري في ضاحية بيروت الجنوبية حقق نتيجتين: سرق من فلسطين قائداً توافقياً- تصالحياً كان يعمل لصيغة توحد الفلسطينيين كما أدخل لبنان في حقبة لم يعرفها سابقاً هي حقبة الجار المريب.
خلاصة القول هي أنّ قتل العاروري القصد منه الحفاظ على تشقق الفلسطينيين وزرع الشك في نفوس اللبنانيين ضمن ما يعرف بحقبة الجار المريب التي أطلقت موجة من الريب الشعبي صارت تردد بصوت مسموع بعدما كانت همساً ما خلاصته: “لا نريد جاراً يستجلب وجوده له و لنا موتاً ودماراً”.

وسط هذه المتاهة وصف أمين عام حزب السلاح الفارسي حسن نصر الله إغتيال العاروري بقوله: “جريمة أمس كبيرة وخطيرة ولا يمكن السكوت عليها ولن تبقى دون رد وعقاب”.
تعهد نصرالله ورد في كلمة إختتمت إحتفالات الذكرى الرابعة لإغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، الذي إغتالته مسيرة أميركية في مطار بغداد في 3 كانون الثاني 2020 مع أحد قادة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس.
ماحصل في ضاحية بيروت الجنوبية من إغتيال للعاروري والخسائر التي لحقت بالسكان المدنيين إضافة إلى تعهد نصر الله بالرد والعقاب أضرمت النار لدى شريحة واسعة من اللبنانيين في حاسة الشك من الجار المريب وفق قاعدة، تعتبر أنّ الثأر بين أداء المتحاربين، كما صراعهم، لا يعنينا، المهم ألّا ندفع نحن ثمن ما لا علاقة لنا به.
الصراع هو بين إسرائيل وحماس وحزب نصر الله، الموضوع يعنيهم. أما ما يعني شريحة كبيرة من اللبنانيين فهو ألّا يكونوا جيران أي من هؤلاء الأعداء كي لا يجلبوا لهم معهم نيران حربهم ودمار ثأرهم.
وبالرغم من ذلك قرر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن يرفع إغتيال العاروري إلى الأمم المتحدة فأجرى اتصالاً بوزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب طالباً تقديم “شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي على خلفية الاستهداف الفاضح للسيادة اللبنانية بالتفجير الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت…” وفق ما وزعه مكتب رئاسة الحكومة، وهو ما أثار تعجب شرائح واسعة من اللبنانيين التي تتساءل:
– هل السيادة على الضاحية الجنوبية هي للدولة اللبنانية أم لحزب الإحتلال الفارسي؟
– من صادر أفلام الكاميرات التي تصوّر ما يمر في شوارع الضاحية، ومن ضمنها المبنى الذي قتل فيه العاروري، الدولة اللبنانية العلية أم “أمن” حزب الإحتلال الفارسي صاحب السيادة الفعلية على أرض الضاحية؟
– هل إستشار صاحب السيادة على أرض الضاحية الرئيس ميقاتي في إستضافة مكاتب حماس وطلائع طوفانها على أرضه التي هو سيد عليها؟ وهل وافقت يا دولة الرئيس على إستضافة ضيوف السيد؟
– وفق ما هو معروف رسمياً وشعبياً، لبنان مسؤول قانونياً عن سلالة الفلسطينيين الذين لجأوا إليه في العام 1948 من الجليل والمسجلة أسماؤهم لدى وكالة الأونروا، فيما الراحل العاروري هو من الضفة الغربية كما عدد كبير من الحماسيين المتواجدين في لبنان هم من الضفة الغربية وغزة وليسوا من سلالة لاجئي 1948 الذين هم حصراً من مسؤولية الدولة اللبنانية. فأين سيدفن الفلسطينيون غير المقيمين قانونياً في لبنان، في تراب لبنان أم في تراب فلسطينهم؟
– وكان الراحل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد مؤسسي حماس قد طلب سنة 1992 من دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري رفض إبقاء 415 فلسطينياً أبعدتهم إسرائيل، وهو منهم، في لبنان بصفة لاجئين، وهو ما فعله الرئيس الحريري. فلماذا يخالف الرئيس ميقاتي ما أسس له الرئيس رفيق الحريري وما طلبه وأوصى به مؤسس حماس الدكتور الرنتيسي؟
– من البديهي التذكير بأن لبنان، بموجب قرارات القمة العربية، يعترف حصراً بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني، وحماس ليست تحت مظلة منظمة التحرير، وهو ما كان الشهيد العاروري يسعى لجمعها معها لتوحيد السلطة الحاكمة للشعب الفلسطيني، فما الذي يبرر إستقبال “طلائع” حماس في لبنان يا دولة الرئيس…؟
– وما الذي يبرر حشر لبنان في صراع بين أعداء ليس له بينهم حليف؟

بالعودة إلى تفاصيل ما جرى في ضاحية بيروت الجنوبية مساء يوم الثلاثاء الماضي، فالعملية تطرح سيلاً من التساؤلات: كيف اغتيلت مجموعة حماس؟ هل بواسطة مسيّرة أم طائرة حربية؟ وكيف أعدت الخطة؟ وهل هناك من اخترق أسرار من يقال أنه أحد مهندسي طوفان الأقصى ما أدى إلى قتله؟
يقول مطلعون أن مسيّرتين شاركتا في عملية الإغتيال، وبدا واضحاً أنّ مهندس الخطة المسؤول عن العملية كان على علم أن إجتماعاً سيعقد في مكتب حماس، وكان على علم بموضوع الدعوة ، لذلك تم في أقل من دقيقة واحدة إطلاق ثلاثة صواريخ: واحد على موقف السيارات، وواحد على مدخل المبنى من الباب الرئيسي حتى المصعد وصاروخ إستهدف المكتب في الطابق الثالث.
يبو واضحا من توزيع زنار النار أن مُعدّ الخطة أراد أن يقتل جميع المدعوين إلى الإجتماع، سواء الواصلين إلى الموقف ولم يلتحقوا بالمجتمعين بعد، والواصلين إلى ردهة المدخل حتى باب المصعد كما الذين وصلوا إلى المكتب.
هذه عملية لا يُخطَّط لها في يوم أو أسبوع أو شهر، بل هي نتيجة جمع معلومات ودراسة معمّقة وواسعة لإنتاج خطة يضاف ملفها إلى بنك أهداف يضم عدة ملفات خطط تستخدمه إسرائيل في حقبة متقدمة من صراعها مع معسكر أتباع إيران لتخلف مرحلة القصف الساحق الماحق والتدمير العشوائي والقتل والتهجير التي إعتمدت في غزة.
ونعود إلى السؤال الأهم: من جمع المعلومات التفصيلية لعملية إغتيال العاروري ومجوعة حماس في ضاحية بيروت الجنوبية؟
مثل هذه الكمية التفصيلية من المعلومات يحتاج جمعها إلى أكثر من جاسوس وعميل، بل إلى أكثر من جيش جواسيس وعملاء.
هذا ملف يحتاج تكوينه إلى “شريك ضالع بخطط المستهدف.”
ويبقى سؤال عملاني لا يتوفر له جواب نهائي حاسم الآن: من أين أقلعت المسيّرات التي نفذت عملية الضاحية يوم الثلاثاء الماضي؟
تحليق طائرات حربية في سماء بيروت بالتزامن مع تنفيذ عملية الضاحية أنتج صيغة تقول إن أكثر من طائرة حربية “قطرت” المسيرات من قاعدة في إسرائيل، كما يحصل مع الطائرات الشراعية عادة، وأفلتتها فوق البحر مقابل بيروت خارج مجال البث الراداري اللبناني وتولت قيادتها بعد ذلك تسييرها وتوجيهها من غرفة عمليات في إسرائيل عبر الأقمار الإصطناعية لتنفيذ المهمة في شوارع الضاحية!
تقنياً الصيغة مقبولة، لكن لا يوجد مصدر رسمي لبناني يؤكدها، ولا يوجد ما يؤكد هل رصد الرادار اللبناني المسيرات، وأين رصدها ومن أي زاوية سجّل دخولها إلى الأجواء اللبنانية؟
بغض النظر عمّن باع حماس، ولمن باعها، ولقاء ماذا باعها، لا بد من التذكير أن عملية إغتيال العاروري تلت قراراً إتخذته الحكومة الإسرائيلية نهاية الشهر الماضي مددت بموجبه أوامر استمرار إخلاء المستوطنات الشمالية على الحدود مع لبنان حتى 29 شباط المقبل بعدما بلغ عدد النازحين من المستوطنات المحاذية للبنان أكثر من 230 ألفاً، ما يوحي بأن الحرب عبر الخط الأزرق سستستمر أقله حتى نهاية شباط.
بالمقابل تصاعدت حركة نزوح سكان البلدات الجنوبية اللبنانية الواقعة ضمن منطقة عمليات القرار 1701 أي جنوبي نهر الليطاني بالتزامن مع تصاعد حدة القصف الإسرائيلي واستهدافه للمدنيين والمنازل المأهولة، وعدم قدرة المزارعين على العمل في حقولهم التي تشعلها حرائق القنابل الفوسفورية، وقد بلغ عدد الهاربين من القصف الإسرائيلي حتى بداية هذه السنة قرابة 80 ألف شخص، وفقاً لأرقام إحدى الجمعيات غير الحكومية المتابعة لأوضاع النازحين عن كثب.
فهل ستندلع حرب واسعة عبر جنوب لبنان قبل نهاية شباط أو بعده؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us