فشلوا بالقانون ونجحوا بـ”البلطجة”


خاص 23 كانون الثاني, 2024

كان الرهان كبيراً على الوزير الحلبي، كونه هو القاضي صاحب التاريخ المضيء، وكان حرياً به ألّا يقع فريسة الضغوط، ولا يقبل تلويث ماضيه وحاضره حتى لو كلّفه الأمر موقعه


كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:

قطع وزير التربية عبّاس الحلبي الشكّ باليقين، وأثبت بقرار إقالة أمل شعبان أنه ليس سيّد وزارته ولا حرّاً في قراراته، بل أسير الضغوط والإملاءات التي فرضتها عليه أطراف داخلية وخارجية، وبدا عاجزاً عن التصدّي لها، ما جعله ينقلب على مبادئه وتاريخه، ويناقض نفسه عندما دافع بشراسة عن شعبان خلال فترة توقيفها، وانتظر بفارغ الصبر قرار الإفراج عنها لتعود إلى موقعها وتسيّر الإدارات التي شلّت منذ احتجازها.
أخطر ما في قرار عبّاس الحلبي، أنه لم يبرر أسباب الإقالة، ولم يقنع حتى المقربين منه بصوابية ما فعله قبل أن يقنع اللبنانيين، وهذا ما طرح علامات استفهام عمّا إذا كان كلّ موظف مستقيم سيلقى مصير أمل شعبان في دولة ما زال يحكمها عقل المليشيا، ويؤثر فيها نفوذ المافيا، حتى داخل وزارة يفترض أنها مثال للقيم والمبادئ وللجيل الناشئ الذي سيقود المستقبل ويبني الدولة على مفاهيم العلم والأدب ومكارم الأخلاق.
ثمّة من يتفهّم قرار الوزير الحلبي باعتبار أنّ “الملفّ القضائي ما زال مفتوحاً، وحكم البراءة لم يصدر بحق شعبان بعد، ومن حقّ الوزير أن يتّخذ الإجراء الذي يناسب وزارته إلى حين صدور الحكم الذي إما يدينها أو يبرئها”. لكن لو كان الأمر كذلك، كان أولى بالوزير وحفظاً لماء الوجه، أن يسارع إلى إقالتها عندما كانت موقوفة، لكان تفهمه الناس إن برر لهم أنه مضطر لملء مركزها من أجل تسيير الإدارة، لكنّ المطلعين على خفايا الأمور يعتبرون أنّ “ما عجزوا عن أخذه من أمل شعبان بالقانون، أخذوه بالبلطجة، والكلّ يدرك أنّ حملة الإطاحة بهذه الموظفّة، بدأت منذ أشهر، ويقف وراءها فريق معيّن، فقط لأنّ أمل شعبان آثرت الحفاظ على كرامة الوزارة وقيمة الشهادة اللبنانية، ورفضت الخضوع للراغبين بتسريع معادلة شهادات الطلاب العراقيين من دون إخضاعها للتدقيق لغايات سياسية ومادية، والتنبّه من تمرير شهادات مزورة قد تورّطها وتسيء إلى ما تبقى من سمعة للشهادات التي تصدرها وزارة التربية والتعليم العالي”.

ثمة من يسأل لماذا بدّل الوزير موقفه؟ وهل صحيح أنّ القرار كان متخذاً وانتظر الوقت المناسب لإعلانه؟ مصدر مواكب لهذا الملفّ، اعتبر أنّ “الإقالة أتت من خارج التوقعات، وأنها جاءت استجابة لضغوط هائلة مورست على الحلبي خلال عطلة الأسبوع”، مشيراً إلى أنّ الوزير “كان يتابع بدقّة مسار التحقيق مع شعبان وينتظر الافراج عنها”. وأكد المصدر لـ”هنا لبنان” أنه “على أثر الإفراج عن شعبان، اتصل بها الوزير وهنأها بسلامتها ودعاها إلى الالتحاق بعملها بالوزارة فوراً، لا بل طلب منها الانضمام إلى اجتماع موسّع في مكتبه”. وقال المصدر إنّ الحلبي “طلب من شعبان مساء الخميس وبعد خروجها من السجن، البدء بالتحضير للامتحانات الرسمية، وتفعيل عمل لجنة المعادلات المشلولة منذ توقيفها، ما الذي تغيّر حتى يقيلها ويعيّن بديلاً عنها؟” ورأى المصدر أنّ “المطلوب كان الإطاحة بهذه الموظفّة بأي ثمن، ولذلك طال أمد توقيفها رغم أنّ قاضي التحقيق أسعد بيرم أخلى سبيلها بعد أسبوع واحد، لأنه متيقن من براءتها”.
هي ليست المرّة الأولى التي تتعرض فيها أمل شعبان لمحاولات “تطيير” من مركزها، فما بين عامي 2017 و2018 خاض التيار الوطني الحرّ حملة شرسة لإطاحتها وتعيين أحد المحازبين مكانها، لكن يومها كان الوزير مروان حمادة على رأس هذه الوزارة وواجه كلّ الضغوط، ولم يخضع لرغبات القريبين وحملات البعيدين وأصرّ على بقائها في موقع تستحقّه وسجّلت عبر مسيرتها نجاحات تجيّر للدولة وللوزارة، وتعطي مثالاً على الاستقامة والتفاني في العمل العام، وكان الرهان كبيراً على الوزير الحلبي، كونه هو القاضي صاحب التاريخ المضيء، وكان حرياً به ألّا يقع فريسة الضغوط، ولا يقبل تلويث ماضيه وحاضره حتى لو كلّفه الأمر موقعه.
صحيح أنّ الوزير سيّد وزارته، وسيّد القرارات التي يراها مناسبة، إنما الشرط الأساس أن يكون القرار متوافقاً مع المصلحة الوطنية، لكنّ من الآن وصاعداً فإنّ وزارة التربية باتت تحت المجهر، خصوصاً في ملفّ معادلات الشهادات العراقية، هذا الملفّ لن يضع الموظفين اللذين يخلفان أمل شعبان أمام الاختبار، بل سيضع وزير التربية نفسه أمام هذا الامتحان الصعب والدقيق والحساس، فإما أن يتصدّى للتشوهات التي تصيب وزارته والتي دفعت أمل شعبان ثمن مواجهتها، وإما أن يلتحق عن سابق تصوّر بمنظومة الفساد التي كنّا نأمل أن يبقى بمنأى عن ملوثاتها، غير أنّ الوزير وضع نفسه أمام حكم التاريخ.

 

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us