حكومة “البصم”


خاص 2 آذار, 2024

إنّ الاستفاقة على آلات “البصم” متأتية من “ثقافة البصم” الواضحة في أكثر من قرار تتخذه هذه الحكومة، وهي قرارات موحى بها من مراجع تفرض على الحكومة أن “تبصم”


كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

بين “الذكاء” و”التذاكي” حرفٌ واحد، لكن في الكلفة آلاف مليارات الليرات.
حكومة تصريف الأعمال تصنِّف نفسها ذكيَّة، لكنها تذاكت على الناس، فأعطتهم بيدٍ لتأخذ منهم باليد الأخرى، وهذا ما حصل في جلسة آلاف المليارات التي غنَّت فيها الحكومة أغنية “قصقص ورق ساويهم ناس”، فتصرفت بها لتصير “قصقص ورق ساويهم ليرات”.
في “جلسة المجزرة”، قررت الحكومة إعطاء زيادات، فكان ما قررته أقرب إلى الفضيحة، ومن الفضائح:
“يُعطى العاملون في الإدارة العامة الذين يستوفون الحضور الرسمي الكامل، مكافأة مثابرة”. يعني أيها الموظَّف، إحضَرْ تنَل مكافأة لأنك ثابرت على الحضور إلى وظيفتكَ! هل هناك تذاكٍ أكثر من هذا التذاكي؟ هذا يعني أنّ الذي يتغيب عن العمل يقبض راتبه ولكن من دون “مكافأة مثابرة”، وحدَه المثابِر ينال مكافأة. السؤال هنا: ما هو تعريف “المثابرة”؟ وكيف تكون؟
لا تتوقف الفضيحة عند هذا الحد، بل تعقبها فضيحة ثانية، وعنوانها “التذاكي” أيضًا.
غداة جلسة مجلس الوزراء، ينعقد اجتماع في السرايا الحكومية فيتم “الطلب من وزيرة التنمية الإدارية استكمال الخطوات اللازمة لتأمين آلة البصم في الإدارات كافة للمباشرة بوضعها قيد العمل قبل تاريخ 1-5-2024. والطلب من الهيئات الرقابية التشدد في مراقبة الحضور وإنجاز العاملين في القطاع العام المهام المطلوبة، كما والطلب من الإدارات تفعيل كافة الرقابة التسلسلية، مع ما يترتب على ذلك من تحميل المسؤولية للرؤساء التسلسليين لا سيما المديرين العامين. والتزام جميع العاملين في القطاع العام بدوام العمل الرسمي”.
يقولون في الفرنسية: “trop beau pour être vrai”، وتعريبها: “كم هو جميل أن يكون ذلك حقيقيًا”. نحن اليوم في الثاني من آذار، تطلب الحكومة أن تكون آلات البصم موضوعة قيد العمل قبل تاريخ الأول من أيار، يعني ذلك أنّ الموظفين لن يبصموا قبل ذلك التاريخ، ومع ذلك سينالون الزيادات والمكافآت.
السؤال هنا: هل “البصمة” كافية للتأكد أنّ الموظَّف مثابِر ومنتِج؟
في مطلع عهد الرئيس إميل لحود، أراد فخامته أن يقوم بـ “كبسة” على إحدى الدوائر الرسمية، دخل أحد المكاتب فوجدَ أحد الموظفين يأكل الفول الأخضر ويضع رجليه على المكتب، المكدَّسة الملفات عليه، والمواطنون أصحاب المعاملات ينتظرون في الخارج، توقف الموظَّف عن أكل الفول، بعدما أسمعه الرئيس لحود كلامًا فيه شيء من التأنيب، وما إنْ غادر الرئيس لحود الدائرة الرسمية، حتى عاود الموظف أكل الفول، ولم يُتَّخذ أي إجراء تأديبي بحقه.
كم من “أكَلَة” فول في الإدارات الرسمية؟ هؤلاء يداومون ويثابرون، لكن ماذا عن الإنتاجية؟ تكاد أن تكون صفرًا.
إنّ الاستفاقة على آلات “البصم” متأتية من “ثقافة البصم” الواضحة في أكثر من قرار تتّخذه هذه الحكومة، وهي قرارات موحى بها من مراجع تفرض على الحكومة أن “تبصم”، والقرارات الإرتجالية في ما خصَّ الزيادات العشوائية، هي أحد قرارات “البصم”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us