هل يعود تحالف 14 آذار؟


خاص 14 آذار, 2024

في الذكرى 19 لانطلاق “ثورة الأرز”، يمكن القول إنّ السبيل الواقعي الوحيد لتغيير “الستاتيكو” القائم في البلد هو إطلاق تحالف 14 آذار من جديد، لأن مصير لبنان كدولة وكيان يبدو على المحك


كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

ثمة مناخ سياسي مستجد أطلقته زيارة الرئيس سعد الحريري الأخيرة لبيروت وما واكبها من كلام على عودته المحتملة إلى العمل السياسي. ففي ظلّ التحولات التي تشهدها المنطقة، يمكن أن تشكل هذه العودة جزءاً من عملية خلط أوراق شاملة على الساحة اللبنانية.
في “اليوم التالي” لحرب غزة سيُرسم مستقبل المنطقة، من الشاطئ الشرقي للمتوسط حتى اليمن والعراق، وستتبدل التوازنات الإقليمية القائمة حالياً. وإذا نفذ الإسرائيليون تهديدهم بعملية عسكرية واسعة ضدّ لبنان، فإنّ تداعياتها ستكون خطرة. وهذا الخطر يدركه الجميع، وأولهم “حزب الله”. ولذلك هو يتجنب انفلات الوضع على الحدود، على رغم الخسائر التي يتكبدها بالمقاتلين والكوادر، ومبادرة الإسرائيليين إلى توسيع دائرة أهدافهم شمالاً، يوماً بعد يوم.
لا يتحمل لبنان ضربات من النوع الذي أصابه في حرب تموز 2006، فيما هو غارق في واحدة من الكوارث المالية الأكبر في العالم، منذ قرن. وليس مؤكداً أنه سيتمكن من النهوض من الضربة المحتملة، والتي يقول الإسرائيليون إنها ستلحق ببعض المناطق والمرافق تدميراً ساحقاً، شبيهاً بذاك الذي تتعرض له غزة، بحيث يدخل لبنان في وضعية انهيار تكون له تأثيرات مصيرية.
وتجنب الوصول إلى هذا الانهيار المصيري يستدعي تغيير المعادلة السياسية القائمة حالياً في الداخل، والتي تمنح “حزب الله” قدرة على احتكار القرار. وهذا الخيار الإنقاذي ممكن بإطلاق حركة سياسية لها وزنها الضاغط وكلمتها المسموعة عربياً ودولياً، تأخذ على عاتقها السعي إلى تجنيب البلد الانزلاق نحو الأسوأ، أو على الأقلّ حصر الأضرار، إذا لم يكن الوقت قد تأخر فعلاً وفات القطار على هذه المحاولة.
وفي الذكرى 19 لانطلاق “ثورة الأرز”، يمكن القول إنّ السبيل الواقعي الوحيد لتغيير “الستاتيكو” القائم في البلد هو إطلاق تحالف 14 آذار من جديد. ومبررات إحياء هذا التحالف اليوم لا تقلّ أهمية عن مبررات نشوئه في العام 2005، لأنّ مصير لبنان كدولة وكيان يبدو على المحك. وهذا ما يفرض على أركان 14 آذار أن يتجاوزوا تفاصيل الخلافات الصغيرة القائمة حالياً في ما بينهم، ويتوافقوا مجدداً على الهدف.
سيقول البعض: كيف يتوافق هؤلاء، إذا كانت المسافة بين الحريري ومسيحيي 14 آذار قد باتت أبعد من المسافة بينه وبين الخصوم في بعض جوانبها، وإذا كان وليد جنبلاط يتموضع مربَكاً في الموقع الوسطي، ويتأنى في رسم علاقاته وتحديد خياراته؟
للتذكير، بدأ تحالف 14 آذار بالتلاشي تدريجاً بعد نشوئه مباشرة في ربيع 2005. وقد حصل ذلك بفعل التهديدات والاغتيالات التي جعلت كل رموزه شهداء أو مشاريع شهداء، وبفعل الإغراءات التي تلقاها البعض. ولكن من باب النقد الذاتي، تجدر الإضاءة على خلل أساسي يكمن في أنّ كلاً من أركان هذا التحالف كان له مفهومه الخاص لطبيعة المعركة ومخاطرها وأهدافها. فبعض هؤلاء لم يدرك أنّ تحدي العمل الدؤوب على بناء الدولة سيكون أكبر من تحدي خروج القوات السورية. وهذا الخلل كان أساسياً في خسارة المعركة.
لقد أظهرت الأحداث، منذ 2005، أنّ القوى التي أسقطت “ثورة الأرز” نجحت في إسقاط كل المحاولات اللاحقة لاستعادة الدولة. فهي بالأساليب التي استخدمتها لإسقاط حركة 14 آذار، أفشلت لاحقاً حركة 17 تشرين الأول 2019، وتمضي في إحكام السيطرة على البلد وإعاقة نهوضه من الانهيار، وهي نفسها المسؤولة عن إقحامه في أتون الحرب الجارية في غزة، ما يدفع به إلى المجهول. فهل يمكن لأقطاب 14 آذار أن يتجاوزوا تفاصيل خلافاتهم الصغيرة ويترافقوا في مسيرة جديدة لإنقاذ ما أمكن؟
في بعض الأوساط المعنية، هناك من يتفاؤل بوجود فرصة سانحة، ولعل أبرز مقومات هذا التفاؤل يكمن في أنّ عودة الحريري المحتملة إلى العمل السياسي ستتمّ حصراً تحت الغطاء العربي. أي إنّ الرجل لن يعود إلى النهج السياسي الملتبس الذي عاشه في فترة معينة، فكان سبباً في الأزمات التي انتهت به إلى الانكفاء. ويقول هؤلاء إنّ الحريري سيعتمد نهجاً داخلياً واضحاً وينسجم مع تصور المملكة العربية السعودية للملف اللبناني. وفي ظلّ هذا التموضع، سيتم تلقائياً ترميم العلاقات بينه وبين الرفاق السابقين.
يبقى سؤال: في 14 آذار 2005، كان “التيار الوطني الحر” موجوداً في الساحة أيضاً. حتى إنّ العماد ميشال عون كان يتباهى حينذاك بأنه هو الذي مهد لولادة القرار 1559. لكنّ “الجنرال” ما لبث أن ذهب إلى مار مخايل ليبرم التفاهم الشهير، ويبارك لحليفه الشيعي كل ما فعله وسيفعله داخل الحدود وخارجها. واليوم، يطلق عون إشارات ملتبسة حول طبيعة علاقته بـ”الحزب”. لكنه، على الأرجح، يريد المساومة من أجل تفاهم جديد على المكاسب، لا التموضع إلى جانب قوى 14 آذار من جديد.
هل يستفيد أركان 14 آذار من الفرصة السانحة لإحياء التحالف وخوض المغامرة من جديد؟ “كل شي بوقتو حلو”. هذه العبارة التي استخدمها الحريري في زيارته الأخيرة تصلح لحالات الانتظار التي يختلط فيها الغموض بـ”الصبر الاستراتيجي”، والتي يلتزمها أقطاب 14 آذار منذ سنوات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us