عودة جورج عبدالله: خطاب على أنقاض التاريخ


خاص 26 تموز, 2025

لم يعد عبد الله من المعتقل حاملاً معه تجربة نقدية لمسار المقاومة، بل نسخة جامدة من خطابها الأول، مكرّراً مفردات لم يعد لها وقعٌ إلا في المجالس المغلقة وكأنّ المنطقة لم تتغير، وكأنّ ما يحصل في غزة، وسقوط كل أشكال الدعم العربي، وانتكاسات الحركات الثورية، لا تدفع إلى لحظة مراجعة!

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

بعد أكثر من أربعة عقود قضاها في السجون الفرنسية، عاد جورج عبدالله إلى بيروت وسط مشهد احتفالي يوحي بانتصار ما. استقبل الرجل كـ”رمز مقاوم”، وسط شعارات مألوفة، ورايات استخرجت من زمنٍ توقف فيه الخطاب ولم يتوقّف الزمن. غير أنّ ما بدا لحظة مفعمة بالعاطفة لدى البعض، انقلب لدى كثيرين إلى لحظة مكشوفة، يُعاد فيها تكرار خطاب تجاوزه الواقع، وتحول من مشروع تحرر إلى متحف شعارات.
فعبدالله، العائد من معتقل طويل، لم يعد حاملاً معه تجربة نقدية لمسار المقاومة، بل نسخة جامدة من خطابها الأول. أعلن فور وصوله ضرورة “الاستمرار في مواجهة إسرائيل والالتفاف حول المقاومة”، مكرّراً مفردات لم يعد لها وقعٌ إلا في المجالس المغلقة. قال إن “إسرائيل تعيش الفصل الأخير من وجودها”، وكأن المنطقة لم تتغير، وكأن ما يحصل في غزة، وسقوط كل أشكال الدعم العربي، وانتكاسات الحركات الثورية، لا تدفع إلى لحظة مراجعة.
لكن الأهم من الخطاب نفسه، هو السياق الذي أُعيد فيه طرحه، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن البلد لا يعيش انهياراً يفرض إعادة التفكير بكل المفاهيم التي كانت تعدّ في السابق من المسلّمات، وعلى رأسها مفهوم “المقاومة”.
وهنا تكمن المعضلة الفعلية: ليست في مضمون الخطاب فقط، بل في البيئة التي أعادت استقباله وتبنّيه من دون أي مساءلة أو مراجعة، وكأن شيئاً لم يتبدّل، وكأن أربعين عاماً لم تمر بكل ما حملته من تحوّلات وانهيارات.

ففي هذا الواقع المتغيّر، لم يعد هناك ما يُسمى “مقاومة” بالمعنى الذي رُفع شعاراً في الثمانينات. فما كان يُوصف يومًا بـ”حركات تحرر” تحوّل إلى أداة ضمن توازنات إقليمية كبرى، تخضع لاصطفافات وتحالفات لا تترك للشعارات مكاناً مستقلاً ولا لصوت الداخل أي أثر يُذكر.
إنكار هذا التحوّل اليوم لم يعد يعبّر عن وفاء لمبدأ، بل عن عجز حقيقي عن قراءة الواقع. فـ”المقاومة” في صيغتها الراهنة لا تتعدّى كونها غطاءً لتبرير السلاح، أو وسيلة لاستثمار سياسي في العاطفة العامة، لا أكثر.
فحين يعاد طرح خطاب “تحرير فلسطين من البحر إلى النهر”، يتجاهل القائل عمداً تحوّلات العالم العربي، وخريطة التحالفات الجديدة، وسقوط مشروع الدولة الوطنية من الداخل، وغياب أي أفق فعلي لمشروع تحرري مستقل. هذا التمسك الشعاراتي ليس ثباتاً على المبدأ، بل إنكار للزمن، وتمويه للواقع، وربما تهرّب من طرح الأسئلة الحقيقية.
العودة كأزمة لا كرمز
عودة جورج عبدالله لم تكن حدثاً وطنياً جامعاً، بل لحظة كشفت عمق الانقسام حول معنى “المقاومة” نفسها. فالكثيرون لم يجدوا في عودته سبباً للفخر، بل تذكيراً بمرحلة لا تزال تحكم خطاباً عقيماً، غير قادر على التعامل مع واقع يتآكل فيه البلد من الداخل، ويستنزف فيه الشعب دون أي مشروع فعلي للخلاص.
المشكلة أن ما يسمّى “المقاومة” لم يعد يقدّم سوى خطابٍ متخشّب، يتحدث عن انتصارات وهمية، بينما تنهار فلسطين، ويُحاصر لبنان، ويُذلّ الشعب باسم الكرامة. في هذه المعادلة، لا تبدو عودة عبدالله حدثاً رمزياً بقدر ما تفضح أزمة بنيوية: أزمة خطاب لم يعد يمتلك أي أدوات للتجديد أو النقد، ولا يعترف بأن الزمن تخطّاه.
لا مستقبل للخطابات المتحفية

المقاومة التي تُرفع راياتها اليوم لا تمت بصلة لتلك التي حملت همّ التحرر. باتت مجرد مصطلح في معجم سياسي عفا عليه الزمن. القول إن “المقاومة لا تزال الخيار الوحيد” لم يعد يحمل أي قيمة في ظل الوقائع المتحولة، إذ لم تحمِ هذه المقاومة لا فلسطين، ولا لبنان، ولا حتى نفسها من التحول إلى أداة في صراعات خارجية.
فهل يمكن لوطن ينهار في كل مفاصله أن يواصل الاحتفاء بخطابٍ لا يقدّم حلاً، بل يكرّر مأزقه؟ وهل من قيمة لأي “ثبات” لا ترافقه شجاعة المراجعة؟
ما بعد العودة… ماذا بقي من المشروع؟
جورج عبدالله عاد. نعم. لكن الأهم: ماذا بقي من المشروع الذي عاد باسمه؟.
في زمن تنهار فيه مؤسسات الدولة وتهمش فيه القضايا الحقيقية، لم يعد الصراخ بالشعارات الموروثة كافياً. المطلوب اليوم ليس الاحتفاء بالرموز، بل امتلاك الجرأة على مساءلتها. فـ”المقاومة” كما تُطرح اليوم، لا تتجاوز في أفضل حالاتها صدى باهتاً لزمن مضى، وفي أسوئها، غطاءً لتكريس مزيد من الفوضى والانهيار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us