لبنان يعزف في قلب موسكو… الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب تفتتح مهرجان روسيا العالمي

في مشهدٍ موسيقيٍّ بديع ومؤثر يحمل بارقة أمل وسلام من لبنان إلى العالم، افتتحت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب، ممثلةً لبنان رسمياً، فعاليات الدورة الثالثة من “مهرجان روسيا العالمي لأوركسترات الشباب” ، الذي أقيم في العاصمة موسكو من 22 إلى 24 آب 2025، تحت رعاية المايسترو العالمي يوري باشميت وبالتعاون مع “الأوركسترا السمفونية لعموم روسيا للشباب”، وبمشاركة نخبة من أوركسترات الشباب من مختلف أنحاء العالم.
وتألقت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب في حفل الافتتاح الذي أقيم في المدرج الكبير بحديقة “زاراديه” الشهيرة، بمشاركة 41 عازفًا لبنانيًا و20 عازفًا روسيًا، تحت قيادة المايسترو العالمية الشهيرة ديانا غوفمان، في مشهدية ساحرة على المسرح الضخم بفساتينهم وبزاتهم السوداء الأنيقة التي صممت خصيصاً للمشاركة في الحدث، فخطف عازفو لبنان الشباب أنظار الحضور والصحافة الروسية التي كانت حاضرة لتغطية المهرجان، بحضورهم وأدائهم والتزامهم ومهارتهم في العزف أمام الجمهور الروسي وفي بلد الموسيقى الكلاسيكية.
وقدّمت الأوركسترا برنامجًا موسيقيًا مرموقاً شمل أعمالًا كلاسيكية مثل شوبيرت وغريغ، التي أبدع العازفون الشباب في أدائها، مقدمين مستوى عالمياً في العزف تحت قيادة هوفمان، التي قالت عنهم في حديث صحافي أنهم ملهمون وينتظرهم مستقبل باهر كعازفين لبنانيين شباب في الأوركسترا. بالإضافة إلى مقطوعة “يدُك” للمؤلفة اللبنانية هبة القواس، التي جمعت بين العود والإيقاعات الشرقية مع عازف العود عبدالله نمور وعازف الرق سلطان غيث، في تناغم جذاب مع التوزيع الأوركسترالي.
ووصلت المقطوعة المميزة إلى قلب الجمهور الروسي وذائقته الموسيقية الرفيعة، معبّرين عن ذلك بالتصفيق الذي امتد لدقائق، ولاسيما بعدما اعتلت القواس المسرح بناء على طلب القائدة هوفمان والجمهور لإعادة تقديم “يدك” بقيادة مؤلفتها، التي قادت الأوركسترا بحماس وحرفية فأوصلت روح المعزوفة كما كتبتها وبما تحمله من عمق وشغف وبناء كلاسيكي معاصر مطعّم بسحر نغم الشرق.
وحملت هذه المشاركة رسالة فنية وطنية، في خطوة مهمة لانطلاقة مسيرة الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب عالمياً، وعكست التزام لبنان بتعزيز دوره الثقافي والموسيقي على الساحة العالمية، من خلال دعم المواهب الشابة وتوفير الفرص لها للتألق والإبداع. فحظيت هذه المشاركة بتقدير واسع من الجمهور والنقاد، الذين أشادوا بالأداء المتميز والتنوع الثقافي الذي قدمته الأوركسترا، مما يعكس المستوى العالي للموسيقى اللبنانية وقدرتها على المنافسة في المحافل الدولية.
وأثبتت الأوركسترا الوطنية الشبابية اللبنانية أنها أكثر من مجرد مبادرة موسيقية، بل هي نقطة تحول وطنية. فقد أعادت الدكتورة هبة القواس، رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان، إحياءها وأضفت عليها الطابع المؤسسي، لتمثل إعادة تصور جريئة للتعليم الموسيقي، والأداء، والدبلوماسية في لبنان.
والمشروع الذي تحول إلى مؤسسة، تعود جذوره في المعهد إلى قيادة الراحل الدكتور وليد غلمية، الذي أطلق “أوركسترا طلاب المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان”، وهو مشروع تأسيسي أدخل تجربة الأوركسترا للشباب. وبحلول عام 2019، توقفت بالكامل بسبب الظروف الوطنية.
وفي الفترة 2022-2023، بدأت القواس في وضع الأساس لإحياء كامل، ليس فقط لاستعادة الأوركسترا، بل لإعادة ابتكارها. بدأت العملية مع فرق العزف على الآلات الوترية، كخطوة أولى في بناء ثقافة أوركسترالية جديدة متجذرة في التعاون والانضباط والاندماج الأكاديمي.
وفي حزيران 2025، تم إعادة تأسيس الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب بشكل رسمي. ومنذ تلك اللحظة، توقفت الأوركسترا عن كونها مشروعًا وأخذت مكانها كمؤسسة وطنية منظمة.
وضعت القواس الأوركسترا في قلب الإطار الأكاديمي للمعهد. وأصبحت مادة إلزامية: من المستويات الإعدادية إلى مستويات البكالوريا، وامتدادًا إلى برامج البكالوريوس والماجستير، أصبحت المشاركة في الأوركسترا مطلبًا أكاديميًا أساسيًا. وقد أحدث هذا التحول ثورة تربوية أعادت تحديد موقع الأداء الجماعي – الأوركسترا، الفرقة، موسيقى الحجرة، أو التخت – كمبدأ أساسي في الفهم الموسيقي والتطور.
ولقيادة هذا الجهد الكبير، عهدت القواس بالإدارة الفنية إلى عازف البيانو والقائد الأوركسترالي اللبناني –الأردني- البريطاني المشهور عالميًا كريم سعيد، مكلفة إياه بمهمة تشكيل أوركسترا شبابية وطنية في ثلاثة أشهر فقط. تم اختيار أكثر من 100 موسيقي، وتدريبهم، وتنظيمهم في مجموعتين تتطوران بالتوازي حتى تصلا إلى مستوى أوركسترالي موحد.
وهذا ما أكدته القواس في كلمتها الافتتاحية أمام الجمهور الروسي أن هذه المشاركة تمثل رسالة فنية ووطنية، وقالت: “اليوم، في هذا المسرح الذي تنصت فيه الأرواح للأصوات، حيث تجتمع الطاقات الشابة من مختلف أنحاء العالم، حاملةً الكمان والرؤى، الأبواق والآمال، يتكلم لبنان من خلال أبنائه الموسيقيين.نأتي من أرض تغني بصوت آلاف السنين. أرض نُقِشت فيها أول أبجدية على الحجر، ولا يزال فيها العود يهمس بأسراره لرياح المتوسط. ألحاننا تحمل عبق الأرز وقوة البقاء. وها هي اليوم تصل إلى موسكو، والأقواس مشدودة لا للتوتر، بل للحوار“.
وأضافت القواس: “الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب” ليست مجرد مجموعة موسيقيين. إنها ولادة جديدة لإرادة موسيقية، إحياء للدبلوماسية الثقافية، وإجابة على سؤال مصيري: كيف نعيد بناء وطن من خلال الانسجام؟ تحت رؤية المعهد العالي للموسيقى، لم نؤسس مجرد فرقة، بل أعدنا تعريف التعليم. فالموسيقى ليست مساراً دراسياً فحسب بل ضرورة. الأوركسترا ليست نشاطًا إضافيًا، بل ركيزة وجود. هي التي تُعلِّم الانضباط، والالتزام، وروح الجماعة. تُعلِّم الإصغاء لا إلى الصوت فقط، بل إلى الآخر أيضًا.
وقالت القواس: “وهذه اللحظة، اليوم، هي مقدمتنا للعالم. في بلاد رخمانينوف، تشايكوفسكي، بروكوفييف، سترافنسكي، وشوستاكوفيتش، في البلد الذي يتحول فيه الصوت إلى روح، نحمل برنامجاً موسيقياً يعكس التبادل والاحترام: نحمل شوبيرت، بلغة الشكل الكلاسيكي، ونحمل غريغ، لنبني جسراً بين غنائية الشمال وضوء المتوسط. ونحمل قطعة من تأليفي، “يَدُكَ”، أغنية ترجمت إلى جسد أوركسترالي، لا تغنيها سوبرانو، بل يعبّر عنها العود، ويصدح إيقاع الدفّ بين الآلات. إنها تحية موسيقية لموسكو، وعطر من لبنان منسوج بإيقاع عربي، نقدمه بتقدير لهذا المهرجان العظيم. هذه خطوتنا الأولى، لكنها ليست الأخيرة. إنها صوت واحد في كورال الحضارات. إنها بداية صداقة طويلة مع موسيقيي روسيا، كثيرون منهم انضموا إلى أوركستراتنا، درّبوا طلابنا، ووقفوا إلى جانبنا“.
وتابعت: “لأن الموسيقى حين تعبر الحدود، تُعبِّر عن الأوطان بصدق.إلى المايسترو باشمت، أقدّم عميق الشكر. هذا اللقاء ليس مجرد مسرح، بل ملاذ نحلم فيه بعالم أكثر تناغماً. وإلى الشعب الروسي: شكرًا لأنكم فتحتم ذراعَيكم لشبابنا. وإلى موسيقيي الأوركسترا الشبابية اللبنانية: صوتكم هو توقيعكم، احملوه بفخر، ودقة، وسلام“.
مواضيع ذات صلة :
![]() لبنان يواجه تحديات بيئية متزايدة: تغيّرات مناخية وشحّ في المياه! | ![]() فرنسا تؤكّد التزامها بدعم لبنان: مؤتمرات دولية قيد التحضير وتأكيد على حصرية السلاح | ![]() هذا هو هدف إسرائيل… بعد سلاح “الحزب” |