اليوم العالمي لمكافحة الفقر: فرصة لإعادة بناء العدالة الاجتماعية ووضع لبنان على مسار الإنقاذ


خاص 18 تشرين الثانى, 2025

إشراك البلديات والمُجتمع المدني والقطاع الخاص في تنفيذ حلول محلّية مُبتكرة يشكّل عنصرًا أساسيًا لدعم الفئات الأكثر هشاشةً وتخفيف آثار الانهيار. فالسياقات العالمية تُظهر أنّ مكافحة الفقر لا تنجح إلّا عبر شراكات واسعة بين الدولة والناس والقطاع الخاص، ضمن رؤيةٍ تعترف بحق الإنسان في العيش الكريم وتُقدّم سياساتٍ عمليةً لتحقيقه.

كتب جو أندره رحال لـ”هنا لبنان”:

في 17 تشرين الأول من كلّ عام، يتوقّف العالم أمام “اليوم العالمي لمكافحة الفقر”، وهو محطة أممية تؤكّد أنّ الفقر ليس مجرّد نقصٍ في الدخل، بل انتهاك لحقوق الإنسان ونتاج سياسات خاطئة أو غائبة. وقد تحوّل هذا اليوم منذ اعتماده عام 1992 إلى مساحةٍ للتقييم والمُساءلة، في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية والبيئية والصحية وتزداد فيه الفجوات الطبقية، ما يجعل الحقّ في الحياة الكريمة مُهدّدًا لفئاتٍ واسعةٍ من البشر أكثر من أي وقت مضى.

وعلى الرَّغم من التقدّم العِلمي الهائل، تكشف التقارير الدولية أنّ هدف القضاء على الفقر المُدقع بحلول عام 2030 ما زال بعيد المنال، إذ يُتوقّع أن يعيش أكثر من 800 مليون شخص في فقرٍ مُدقعٍ عام 2025، فيما يشهد العالم ارتفاعًا متواصلًا في “الفقر المتعدّد الأبعاد” الذي يشمل الحرمان من الصحة، والتعليم، والسكن اللائق، والطاقة، والمياه، وفرص العمل. أمّا في المنطقة العربية، فتقدّر “الإسكوا” أنّ عشرات الملايين يعيشون في فقرٍ شديدٍ أو معتدلٍ نتيجة الحروب والأزمات الاقتصادية والتضخّم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ما يجعل الفقر ظاهرة متجذّرة وليست ظرفية.

هذا التحوّل في فهم الفقر يعكس إدراكًا عالميًا بأنّ الظاهرة ليست مسألة دخلٍ فقط، بل نتيجة حرمان بنيوي من الحقوق والواجبات الأساسية. فالإنسان الفقير اليوم قد يمتلك دخلًا بسيطًا، لكنّه محروم من الاستشفاء، أو التعليم، أو العمل الكريم، أو الأمن الغذائي، أو السكن الملائم، وهو ما يجعل الفقر مسألة كرامة وإنصاف اجتماعي قبل أن يكون مسألة مالية.

أمّا في لبنان، فقد تحوّل الفقر خلال السنوات الأخيرة إلى حالة طوارئ اجتماعية. فقد ارتفعت نسبة الفقر المُتعدّد الأبعاد إلى مستوياتٍ قياسيةٍ، مع تقديرات تشير إلى أنّ أكثر من أربعة أخماس اللبنانيين محرومون من واحدةٍ أو أكثر من الخدمات الأساسية. كما تُظهر أرقام البنك الدولي أن نحو نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر النقدي، في ظلّ تفاوُت صارخ بين المناطق، وانهيار غير مسبوق في الطبقة الوسطى، وارتفاع معامل اللامساواة إلى مستويات خطيرة. ويُضاف إلى ذلك تأثير التوتّرات الأمنية المستمرة على الحدود، وانكماش الخدمات العامة، وغياب سياسات وقاية اجتماعية فعّالة، ما جعل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة واللاجئين والعاملين في الاقتصاد غير النظامي في صلب الفئات الأكثر هشاشة.

في هذا السياق، يُصبح اليوم العالمي لمكافحة الفقر فرصةً حقيقيةً للبنان لإعادة بناء مقاربته الاقتصادية والاجتماعية، والانتقال من إدارة الانهيار إلى بناء دولة قادرة على صَوْنِ حقوق مواطنيها. ويتحقّق ذلك عبر خطة وطنية واضحة تستند إلى بيانات شفّافة وإرادة سياسية جدّية، وتشمل عدّة مسارات مُتكاملة: الانتقال إلى اقتصاد إنتاجيّ يخلق فرص عمل مستدامة بدل الاعتماد على الرّيع؛ تعزيز الصحة العامة والتعليم الرسمي باعتبارهما السلاح الأهم ضدّ الفقر؛ تأسيس شبكة حماية اجتماعية شاملة وعادلة تضمن الحدّ الأدنى من الأمان؛ اعتماد نظام ضريبي تقدّمي أكثر إنصافًا؛ وتفعيل مكافحة الفساد من خلال مؤسّسات رقابية مستقلّة وقضاء فعّال.

كما أنّ إشراك البلديات والمُجتمع المدني والقطاع الخاص في تنفيذ حلول محلّية مُبتكرة يشكّل عنصرًا أساسيًا لدعم الفئات الأكثر هشاشةً وتخفيف آثار الانهيار. فالسياقات العالمية تُظهر أنّ مكافحة الفقر لا تنجح إلّا عبر شراكات واسعة بين الدولة والناس والقطاع الخاص، ضمن رؤيةٍ تعترف بحق الإنسان في العيش الكريم وتُقدّم سياساتٍ عمليةً لتحقيقه.

في الخُلاصة، يذكّرنا هذا اليوم بأنّ الفقر ليس رقمًا في تقرير ولا شعارًا في مناسبة، بل هو اختبار إنساني وسياسي للدول. وهو دعوة للبنان لالتقاط اللحظة، وإعادة بناء سياسات عادلة تحفظ الكرامة وتُعيد الثقة بالدولة، وتفتح نافذة أمل حقيقية نحو مستقبل أكثر إنصافًا واستقرارًا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us