الرئيس جوزاف عون للبابا لاوون: لبنان موطن القديسين العظام… أبلغوا العالم عنّا بأننا لن نستسلم بل سنظلّ هنا!

رحّب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقداسة البابا لاوون الرابع عشر في القصر الجمهوري مؤكدًا أن “لبنان ليس مجرد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام، ومنهم القديس شربل الذي ستزورون مقامه المبارك، كرّمه الله بعطايا ومعجزات امتدّت لكل البشر، من دون تمييز بين الأديان، مظهرًا وحدة الشعب اللبناني وإيمانه العميق”.
وأضاف: “هذا هو لبنان الذي يستقبلكم اليوم يا صاحب القداسة. لبنان الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة. وطن الحرية لكل إنسان. والكرامة لكل إنسان، وطن فريد في نظامه، حيث يعيش مسيحيون ومسلمون، مختلفين، لكن متساوين في نظام دستوري قائم على التساوي بين المسيحيين والمسلمين. وبالانفتاح على كل إنسان وضمير حر”.
وأكد عون أنّ “هذه فرادة لبنان في العالم كله وهذه دعوته لكل الأرض”.
وهنا الكلمة كاملة:
“قداسة البابا لاوون الرابع عشر،
بفرح عظيم، أرحب بكم، رسول سلام في وطن السلام.
بشرف عظيم، و باسم الشعب اللبناني بكل مكوّناته وطوائفه وانتماءاته، أرحّب بكم في هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير برسالته، لبنان الذي كان وما زال أرضًا تجمع بين الإيمان والحرية، بين الاختلاف والوحدة، وبين الألم والرجاء.
صاحب القداسة،
إنّكم لا تزورون بلدًا عاديًا، بل أرضًا محفوفة بخطوات التاريخ المقدّس. فقد ذُكر لبنان في الكتب المقدّسة مرارًا، رمزًا للعلو والثبات والقداسة. وقد استعمل نشيد الأناشيد جبال لبنان وغاباته كرموز للجمال والروعة والنقاء، فغدت هذه الأرض شاهدةً على عظمة الخلق ووفاء للتاريخ المقدّس.
بفخر عظيم، أرحب بقداستكم، على أرض الكنعانية الراجية شفاء ابنتها. حتى قال لها يسوع: “يَا امْرَأَة، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ”. وشعبنا اليوم كله يا صاحب القداسة، مثل تلك الكنعانية. إيماننا عظيم… ورجاؤنا شفاء النفوس والقلوب والعقول، من الأحقاد والحروب والدمار…
أهلًا وسهلًا بكم، على الأرض المسيّجة بالعذراء، والمكرّسة لاسمها. من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال. وفي الوسط سيدة المنطرة قرب صيدا، حيث انتظرت العذراء ابنها يسوع. حتى جعلنا يوم بشارتها، عيدًا وطنيًا لكل طوائف لبنان ولكل أدياننا الإبراهيمية. في ظاهرةٍ لم يعرفها أي بلد آخر في العالم.
أهلًا وسهلًا بكم، على الأرض، التي من بعض مائها المتدفّق من حاصباني الجنوب، تَعَمَّد يسوع في نهر الأردن … لبنان ليس مجرّد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام، ومنهم القديس شربل الذي ستزورون مقامه المبارك، كرّمه الله بعطايا ومعجزات امتدت لكل البشر، دون تمييز بين الأديان، مظهرًا وحدة الشعب اللبناني وإيمانه العميق.
هذا هو لبنان الذي يستقبلكم اليوم يا صاحب القداسة. لبنان الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها. لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة. وطن الحرية لكل إنسان. والكرامة لكل إنسان. وطن فريد في نظامه، حيث يعيش مسيحيون ومسلمون، مختلفين، لكن متساوين. في نظام دستوري قائم على التساوي بين المسيحيين والمسلمين. وبالانفتاح على كل إنسان وضمير حر.
هذه فرادة لبنان في العالم كله. وهذه دعوته لكل الأرض. ومن هنا واجب الإنسانية الحية الحفاظ على لبنان. لأنه إذا سقط هذا النموذج في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكان آخر على الأرض، يصلح لها. وكما قلت في نيويورك، أكرّر من بيروت: إذا زال المسيحي من لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتُها. وإذا سقط المسلم من لبنان، اختلّت معادلة الوطن، واختل اعتدالها.
وإذا تعطّل لبنان أو تبدّل، سيكون البديل حتمًا، خطوط تماس في منطقتنا والعالم، بين شتّى أنواع التطرّف والعنف الفكري والمادي وحتى الدموي.
هذا ما أدركه الكرسي الرسولي دومًا. ولهذا رفع قداسة بولس السادس صوته باكرًا دفاعًا عن وحدة لبنان وسيادته. كما خلّد القديس يوحنا بولس الثاني لبنان في ذاكرة العالم بقوله التاريخي: “لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة في الحرية والتعددية معًا، للشرق كما للغرب”. قبل أن يكرّس سابقة كنسية استثنائية، بتخصيص سينودس عام، خاص للبنان. وهو من قال عنا قبل 40 عامًا، بأن وجود المسيحية الحرة في لبنان، شرط لاستمرارها وازدهارها في كل منطقتنا.
ونحن نجزم اليوم، بأنّ بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافة. وصولًا إلى قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، زائر المحبة والحكمة، الذي أكد من بيروت، أن مستقبل الشرق لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة والتعدّدية والاحترام المتبادل. وكانت خطوته بالغة الدلالة والرمزية، بأنه لم يعلن الإرشاد الرسولي الخاص بالشرق الأوسط، إلّا من لبنان.
وها نحن نستقبلكم يا صاحب القداسة رابع خليفة لبطرس يزور وطننا، في خطوةٍ لا تقل بلاغة في الرسالة والدلالة. إذ أردتم أن يكون لبنان، أرض زيارتكم البابوية الأولى خارج روما. فجئتم إليه مباشرة من نيقيا، من أرض قانون الإيمان، في ذكراه الألف وسبعمئة. لتؤكدوا مجددًا إيمانكم بنا. ولنجدد معًا إيماننا بالإنسان.
جئتم إلى أرض الكنائس التي وصفتموها بالشهيدة. لتزرعوا فينا الرجاء، ولنحوّلها شاهدة على القيامة.
جئتم إلينا يا صاحب القداسة، لنقرأ في وجهكم المضيء، كلماتكم الرائعة في رسالتكم العامة الأخيرة، “لقد أحببتك”، بأن لمس جرح مقهور على الأرض، هو كلمس جراح يسوع في التاريخ. وفي أرضنا اليوم، وأرض منطقتنا، الكثير من القهر، والكثير من المتألمين. وجراحهم تنتظر لمستكم المباركة. وتتطلع إلى سماع وإسماع صوتكم العظيم الشجاع.
صاحب القداسة، أبلغوا العالم عنا، بأنّنا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم. بل سنظلّ هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر…
أبلغوا العالم عنا، بأننا باقون مساحة اللقاء الوحيدة، في كل منطقتنا، وأكاد أقول في العالم كله. حيث يمكن لهذا الجمع أن يلتقي حول خليفة بطرس. ممثلين متفقين لكل أبناء إبراهيم، بكل معتقداتهم ومقدساتهم ومشتركاتهم… فما يجمعه لبنان، لا يسعه أي مكان في الأرض. وما يوحده لبنان لا يفرقه أحد.
بهذه المعادلة يعيش لبنان في سلام مع منطقته، وفي سلام منطقته مع العالم.
ومن الآن حتى يسمع المعنيّون ويقتنعوا، لا خوف علينا صاحب القداسة. فبصلواتكم ودعائكم، وبإيماننا بحقنا ووطننا، باقون هنا، أبناء الرجاء. وأبناء القيامة. باقون هنا. نور الشرق ومنارته وملح أرضه. وباقون هنا، رسل محبة وخير.
فمنذ البداية وحتى النهاية، نحن تلاميذ من أوصانا ألا نخاف. وأن نثق به. لأنه بمحبته وسلامه غلب العالم. ونحن شهود على ذلك وعاملون لتحقيقه.
عاشت المحبة،
عاش السلام،
عشتم يا صاحب القداسة،
عاش لبنان”.




