“مجزرة” كُتبت بحبر الحكومة: إقرار مشروع قانون الفجوة المالية يشرعن نهب الودائع ويطمس المحاسبة


خاص 27 كانون الأول, 2025

إنّ إقرار القانون بصيغته الحالية يشبه محاولة إقفال كتاب الأزمة قبل كتابة فصل النهاية العادلة، عبر طيّ الصفحة من دون محاسبة المسؤولين، وترك الضحايا الحقيقيين، أي المودعين، يتحمّلون وحدهم كلفة الانهيار

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في جلسة وصفت بأنّها من الأكثر توتراً وطولاً في عمر الحكومة الحالية، أقرّ مجلس الوزراء يوم أمس مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد أموال المودعين بعد أكثر من خمس ساعات من النقاش المتواصل، انتهت بموافقة 13 وزيراً مقابل اعتراض 9، في مشهد عكس بوضوح عمق الانقسام داخل السلطة التنفيذية حيال كيفية مقاربة أخطر ملفات الانهيار المالي.

لم يأتِ هذا الإقرار نتيجة توافق فعلي، بل خرج المشروع من مسار حكومي ضيّق فرضته الضغوط السياسية والاقتصادية، وسط تحفّظات واسعة على مضمونه وآلياته. فالصيغة التي أُقرت، رغم تعقيدها التقني، تفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت تهدف فعلاً إلى استرداد حقوق المودعين، أم إلى تنظيم الخسائر وتوزيعها بطريقة تُبقي جوهر الأزمة من دون معالجة.

بالتوازي مع الجلسة الحكومية، كان صوت الشارع حاضراً عبر اعتصامات المودعين الذين جدّدوا مطالبتهم بالإنصاف، في رسالة واضحة بأنّ أي تشريع لا يضع حقوقهم في صلب أولوياته سيبقى موضع رفض وشك. هذا التناقض بين ما يجري داخل القاعات المغلقة وما يطالب به المتضرّرون في الخارج، يضع المشروع منذ الآن في دائرة المواجهة السياسية والشعبية.

ومع انتقال المشروع إلى مجلس النواب، يبدأ فصل جديد من المواجهة. فالأنظار تتّجه إلى كيفية تعاطي الكتل النيابية مع موجة الاعتراض الواسعة، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي وما يفرضه من حسابات شعبية. فإمّا أن يشهد البرلمان تعديلات جوهرية تعكس مطالب المودعين وتحمّل المسؤوليات للجهات المعنية، أو أن يتحوّل المسار النيابي إلى امتداد آلي لما أُقرّ حكومياً.

في المحصّلة، لم يعد مشروع قانون الانتظام المالي مجرّد نصّ تقني، بل بات اختباراً سياسياً بامتياز: اختبار لمدى استعداد السلطة، حكومةً وبرلماناً، للخروج من منطق إدارة الانهيار إلى منطق المحاسبة والعدالة، أو الاستمرار في تدوير الأزمة على حساب من دفع الثمن الأكبر.

في هذا السياق، يرى وزير الاقتصاد الأسبق البروفيسور آلان حكيم أنّ إقرار قانون “الفجوة المالية” لا يمثل مدخلاً حقيقياً لمعالجة الانهيار المالي في لبنان، بل يرقى عملياً إلى مستوى تشريع الخسائر وتحويلها إلى واقع ملموس على حساب المودعين وحقوقهم. ففي حين كان من المفترض أن يشكّل هذا القانون أداة لاستعادة الودائع وتحقيق العدالة، يبدو أنه يحوّل الأزمة المالية إلى ملف مغلق خلف ظهر الدولة، من دون محاسبة أو تحميل المسؤوليات لأي طرف، إذ تكمن خطورته في كونه يعفي الدولة والسلطات المتعاقبة من مسؤولياتها الدستورية والقانونية تجاه ما شهدته البلاد من فساد وهدر وسوء إدارة ونهب منظّم للمال العام، ويكرّس الخسائر كحقيقة قانونية يدفع ثمنها المواطنون، لا سيما المودعون.

ويشير حكيم إلى وجود إغفال فاضح في قانون الفجوة المالية لحقوق المواطنين والصناديق التقاعدية، إذ تغيب أي نصوص واضحة تحمي أموالها وودائعها. كما يتجاهل ما حصل منذ عام 2019، حين جرى دفع تعويضات نهاية الخدمة لأكثر من أربعين ألف موظف بأسعار صرف منخفضة للغاية، ما أدى إلى تبديد جنى أعمارهم وحرمانهم من حقوقهم المكتسبة.

ويشدّد حكيم على أنّ أموال المودعين وصناديق التقاعد ليست ودائع عادية، بل حقوق خاصة تعود لموظفين و مهنيين ومتقاعدين، ولا يجوز التعامل معها كمسألة تقنية أو تفصيل ثانوي في نص قانوني يفترض أنه يعالج أكبر أزمة مالية في تاريخ البلاد.

ويحذّر حكيم من أنّ القانون يؤدي عملياً إلى اقتطاع واسع من الودائع قبل أي عملية توزيع أو تعويض، أي ما يعرف بالـ “هيركات”، ما يعني أنّ العبء الأكبر من الفجوة المالية سيقع على كاهل المودعين، كباراً وصغاراً. وبدلاً من استعادة الحقوق، يتحول القانون إلى أداة لشطب الودائع تدريجياً، في ظل تغييب متعمّد لأي تشريع يحمّل الدولة مسؤوليتها المباشرة عن الانهيار.

ويؤكد حكيم أنّ الدولة هي المسؤول الأول عن الأزمة نتيجة سياسات مالية ونقدية خاطئة، وقرارات اتُخذت بعد عام 2017 خالفت أبسط القواعد الاقتصادية، إضافة إلى الامتناع عن دفع الاستحقاقات في مواعيدها.

ويعتبر أنّ هذا القانون يشكّل عملياً صك براءة سياسي للقوى التي كانت تمسك بزمام السلطة، ما يؤدي إلى إسقاط مبدأ المحاسبة وتقويض أي أمل بإعادة بناء الثقة بالنظام المالي. كما يشير إلى أنّ المشروع يتعارض مع الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 15 التي تحمي الملكية الخاصة، ويتناقض مع مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين.

ويستعرض حكيم الأرقام الواردة في سجلات مصرف لبنان، مشيراً إلى أنّ الدولة مدينة بنحو 16.5 مليار دولار، بالإضافة إلى ديون جديدة تراكمت بعد عام 2019 بقيمة تقارب 13 مليار دولار نتيجة سياسة الدعم، فضلاً عن نحو 3 مليارات دولار سدّدها مصرف لبنان عن الدولة لتغطية قروض دولية وكلفة الفيول، أي أنّ مجموع ما استدانته الدولة من أموال الناس يناهز 30 مليار دولار، ومع ذلك يتجاهل القانون تحميلها أي مسؤولية جدية، ويضع العبء كاملاً على المواطنين.

ويختم حكيم بالتأكيد على أنّ الحل لا يكون بتشريع الخسائر، بل عبر مسار مختلف كلياً يقوم على نصوص صريحة تحمي أموال الناس والمؤسسات الاجتماعية والنقابات، وتحميل الدولة كامل مسؤولياتها المالية تجاه مصرف لبنان والمودعين، وضمان توزيع عادل وشفاف للخسائر، ووضع خطة تعافٍ شاملة لمرحلة “اليوم التالي” من بعد قانون الفجوة تتضمن المحاسبة، واستعادة الأموال المنهوبة، واحترام الدستور وحقوق الملكية الخاصة، وتقديم إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: من سيدفع فعلياً مبلغ المئة ألف دولار، وكيف سيتم التعامل مع شرائح المودعين الذين تفوق ودائعهم المليون دولار، أو مع المتقاعدين الذين تجاوزوا السبعين من العمر؟ أسئلة جوهرية لا يقدّم قانون الفجوة المالية أجوبة واضحة عنها. فالقانون يتعامل مع الودائع كأرقام جامدة، متجاهلاً عامل الوقت، وكأنّ حق المودع لا يتآكل مع تقدّم العمر أو مع سنوات الانتظار القسري.

فهل يعقل أن يُساوى بين مودع شاب قادر على الانتظار لعقود، وآخر أمضى عمره في العمل والادّخار ولم يعد يملك ترف الزمن؟ إنّ تجاهل البعد الزمني في مقاربة الودائع لا يقلّ ظلماً عن شطب جزء منها، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمتقاعدين حرموا من أموالهم في المرحلة الأكثر هشاشة من حياتهم.

وفي نهاية المطاف، يرى حكيم أنّ إقرار القانون بصيغته الحالية يشبه محاولة إقفال كتاب الأزمة قبل كتابة فصل النهاية العادلة، عبر طيّ الصفحة من دون محاسبة المسؤولين، وترك الضحايا الحقيقيين، أي المودعين، يتحمّلون وحدهم كلفة الانهيار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us