الدولة بريئة.. و”الحق على المودعين”

كتب Johnny Kortbawi لـ”Ici Beyrouth“:
في بلدٍ تُدار شؤونه بعقلية العجز، يصبح الظلم القاعدة لا الاستثناء. وخير دليل مشروع “قانون الفجوة المالية” الذي أقرّته الحكومة: قانون ينص بكل بساطة، على تحميل المواطنين مسؤولية الانهيار المالي ويقترح سدّ العجز من جيوبهم، وبمفعول رجعي بعد، وكأنهم هم من خطّطوا وأداروا وأهدروا!
وبعيدًا عن مجرد إقرار القانون، يتّضح مشهد لا يحتمل أي لبس: الدولة سارعت لإعلان براءتها وأسقطت مسؤولية الانهيار المالي بالكامل على المواطنين والمصارف. وهكذا تحول الشعب إلى ضحية رسمية لسنوات طويلة من قراراتها التعسفية وسوء إدارتها المزمن.
واليوم، تأتي حكومة نواف سلام، مدعومة بأكثرية وزرائها، باستثناء القلة التي رفضت الشعبوية بشرف، لتصدر حكمها النهائي: إفلاس الشعب اللبناني. ليس لأنّ الناس ارتكبوا خطيئة ما، بل لأنّ الدولة ترفض حتى اللحظة، أن تحاكم نفسها أو تعترف بمسؤوليتها.
فهل تراه الشعب، الذي صُفِّيت ودائعه لاحقًا، هو من قرر تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية لسنوات طويلة خوفًا من انهيارها؟ أم أن القرار اتخذ، بكل هدوء وثقة، على يد رئاسات الجمهورية والحكومات المتعاقبة، قبل تقديمه لاحقًا على أنه إنجاز اقتصادي؟
وهل تراه المواطن اللبناني هو من موّل قطاع الكهرباء بمليارات الدولارات، فيما كانت إصلاحات بسيطة وأقل كلفة كفيلة بتجنيبه هذا النزيف المزمن؟
وهل الشعب اللبناني هو من موّل، من ماله وعرقه، السلع المدعومة التي شُحنت بسلاسة إلى سوريا في ظل نظام بشار الأسد، عبر قنوات معروفة، بينما كان اللبناني يُطارِد حاجاته الأساسية في السوق السوداء؟
وهل الشعب هو من أقرّ الموازنات وجداول الرواتب من دون أي دراسات جدّية، متسبّبًا بعجز ثقيل ضرب مالية الدولة، فيما لم يكن أمام اللبنانيين سوى الوقوف على هامش المشهد، ليشهدوا على الانهيار؟
وفوق كل ذلك، هل كان الشعب اللبناني هو من أشعل الحروب، وفتح الجبهات، وقرّر عن سابق إصرار جرّ البلاد إلى أزمات مدمّرة كان يمكن تفاديها لو تُرك لبنان خارج مغامرات لا ناقة له فيها ولا جمل؟
الإجابة معروفة بالفعل. لكن ما يبقى عصيًّا على الفهم هو هذا الإصرار الغريب لدى حكومة نواف سلام على معاقبة المواطنين عوضاً عن مساءلة أولئك الذين أنفقوا هذه المليارات، وبدّدوا الموارد، واتخذوا القرارات المصيرية على مدى سنوات، ثم خرجوا من المشهد وكأن شيئًا لم يكن.
لماذا الإصرار على العودة إلى الماضي، ونقض عمليات أُنجزت ضمن الأطر القانونية نفسها التي وضعتها الدولة، لاسترداد أموال نالها المواطنون من دون أي امتياز أو محاباة، كالفوائد المصرفية أو تحويل الأموال على السعر الرسمي الذي أقرّته الحكومات في موازناتها؟
حين تتضح الدوافع الحقيقية، سيتبدد الغموض تلقائيًا، ويتبيّن أن ما يُقدَّم على أنه لغز مالي أو ضرورة تقنية ليس في الواقع سوى خيار سياسي متعمّد، يلقي كالعادة بثقله على جيوب المواطنين.
مواضيع ذات صلة :
حين تُبرّئ الدولة نفسها وتُدين المودعين: قانون الفجوة المالية نموذجًا! | أيها المودِعون مطلوب منكم التوقيع على سرقة ودائعكم! | وزير العار: غسّان سلامة يبارك “سرقة المودعين”! |




