بين بياض الثلج وسواد الفاتورة: منتجعات التزلج في لبنان ترفٌ مكلف وأسعار بلا ضوابط

التزلج من الرياضات الشتوية المحبّبة في لبنان، لكنه بات خارج متناول شريحة واسعة من اللبنانيين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، إذ تتراوح أسعار بطاقات الدخول بين 35 و55 دولاراً للكبار و30–45 دولاراً للأطفال خلال أيام الأسبوع، لترتفع في عطلات نهاية الأسبوع إلى 50–70 دولاراً للكبار و40–60 دولاراً للأطفال
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
عاد الشتاء ليكسو المرتفعات اللبنانية بعباءته البيضاء، وعادت معه منتجعات التزلج لتزدان بالزوار الباحثين عن لحظات فرح على الثلوج. ومع جمال الطبيعة ونسيم الجبال البارد، يواجه الزائر أيضاً واقع الأسعار المتفاوتة، الذي يفرض على العائلات والأصدقاء التخطيط لكل يوم بعناية.
ففي كسروان، تتراوح أسعار بطاقات الدخول بين 35 و55 دولاراً للكبار و30–45 دولاراً للأطفال خلال أيام الأسبوع، لترتفع في عطلات نهاية الأسبوع إلى 50–70 دولاراً للكبار و40–60 دولاراً للأطفال، بينما تبقى أسعار المتن الجبلية أكثر اعتدالاً، لتبدأ من نحو 30 دولاراً للكبار خلال الأسبوع وتصل إلى 50–55 دولاراً في عطلة نهاية الأسبوع، مع تخفيضات للأطفال.
ورغم ارتفاع الأسعار، يختار الكثيرون المغامرة والاستمتاع بالثلوج، معتبرين أن اللحظات على المنحدرات تستحق التكلفة الإضافية.
ويقول جاد الحاج، زائر من بيروت: «التزلج في كفرذبيان رائع، لكن يوماً واحداً يكلفنا أكثر من 150 دولاراً للعائلة دون احتساب الملابس والطعام والتنقل. رغم ذلك، لم نستطع مقاومة جمال المناظر والثلوج”.
بدورها، ترى رولا واكد، زائرة من المتن، أنّ تفاوت الأسعار بين المنتزهات يعكس غياب أي معايير واضحة أو رقابة فعلية، لافتة إلى أنّ عطلة نهاية الأسبوع تشهد ارتفاعاً ملحوظاً يزيد العبء على الزوار. ورغم أن تجربة الثلج بدت ممتعة وملهمة، إلا أنّ كلفتها المرتفعة تطرح تساؤلات جدية حول مدى عدالة التسعير وإتاحة هذه المتعة لشريحة أوسع من الناس.
ويُجمع كثير من الزوار على أنّ مشكلة الأسعار لا تكمن فقط في ارتفاعها، بل في تفلّتِها الواضح وغياب أي إطار ناظم يحدّد سقوفاً عادلة للتسعير. فالفروقات الكبيرة بين منتجع وآخر، بل أحياناً داخل المنتجع نفسه بين يوم وآخر، تعكس واقعاً خاضعاً لمنطق العرض والطلب أكثر مما هو محكوم بمعايير ثابتة أو رقابة رسمية. هذا التفاوت يربك الزائر ويحوّل تجربة التزلج إلى مغامرة مالية غير محسوبة، حيث تتبدّل الكلفة فجأة مع تغيّر الطقس أو الازدحام أو عطلة نهاية الأسبوع، ما يعمّق شعور عدم العدالة ويجعل التزلج ترفاً متاحاً لفئة محدودة، بدل أن يكون نشاطاً شتوياً في متناول شريحة أوسع من اللبنانيين.
خريطة الأسعار في منتجعات التزلج
تعتمد منتجعات التزلج في لبنان تسعيرات متفاوتة تعكس خصوصية كل موقع وطبيعة الخدمات التي يقدّمها، إضافة إلى مستوى الإقبال عليه خلال الموسم. ففي المناطق التي تشهد ضغطاً كبيراً من الزوار، ولا سيما تلك القريبة من العاصمة، تسجّل أسعار البطاقات اليومية مستويات أعلى مقارنة بغيرها.
في مرتفعات كسروان، حيث تتركّز أكبر حركة تزلج، تتدرّج أسعار بطاقات الدخول خلال أيام الأسبوع بين 30 و50 دولار للكبار، مع كلفة أقل للأطفال وكبار السن. إلا أنّ هذه الأرقام ترتفع بوضوح في عطلات نهاية الأسبوع، لتلامس في بعض الأحيان حدود الثمانين دولاراً، بسبب كبر المنطقة والضغط على المسارات والمصاعد.
أما في منتجعات أخرى ضمن القضاء نفسه، فتعتمد تسعيرات أقرب إلى الوسط، إذ يدفع الكبار قرابة أربعين دولاراً خلال الأسبوع، فيما ترتفع الكلفة مع نهاية الأسبوع إلى نحو ستين دولاراً، مقابل أسعار مخفّضة للصغار.
في منطقة المتن الجبلية، تبدو الأسعار أكثر اعتدالاً، إذ تبقى بطاقات الدخول خلال الأيام العادية دون الأربعين دولاراً، قبل أن ترتفع في عطلة نهاية الأسبوع إلى منتصف الخمسينيات، مع فارق واضح بين الكبار والأطفال.
أما في شمال البلاد، حيث تقع أحد أقدم وجهات التزلج، فتسعى الإدارة إلى الحفاظ على كلفة أقل نسبياً، خصوصاً خلال أيام الأسبوع، إذ تبدأ الأسعار من حدود الثلاثين دولاراً للكبار، مع تخفيضات للأطفال، على أن ترتفع بشكل محدود في عطلات نهاية الأسبوع مقارنة بالمنتجعات الأقرب إلى بيروت.
وفي مرتفعات جبيل، التي تُعرف بأنها من الخيارات الأقل كلفة، تُعتمد تسعيرة موحّدة تقريباً خلال أيام الأسبوع، قبل أن تشهد زيادة محدودة في نهاية الأسبوع، ما يجعلها وجهة مفضّلة للباحثين عن تجربة تزلج أقل كلفة.
وتعكس هذه الخريطة السعريّة تبايناً واضحاً بين المنتجعات، تحكمه عوامل الموقع، والبنية التحتية، وكلفة التشغيل، إضافة إلى العرض والطلب، ما يمنح الزوار خيارات متعددة، وإن كانت الكلفة النهائية ليوم التزلج تبقى أعلى من سعر البطاقة وحده.
في هذا الإطار، يوضح أحد مدربي رياضة التزلج في منطقة أعالي كسروان شركة “Mzaar ski Resort”” روبير سلامة أن هذه المنطقة تعد من أكثر الوجهات الشتوية استقطاباً للزوّار خلال موسم الثلوج، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على التسعير”.
ويقول: «أعالي كسروان تشهد ضغطاً كبيراً خلال الموسم، خصوصاً في عطلات نهاية الأسبوع، وهذا الطلب المرتفع يفرض واقعاً مختلفاً على مستوى الأسعار». ويشير إلى أنّ بطاقات الدخول خلال أيام الأسبوع هي بين 35 و55 دولاراً للكبار، و30 45 دولاراً للصغار. أما في عطلات نهاية الأسبوع، فترتفع الأسعار لتتراوح بين 50 و70 دولاراً للكبار، و40 60 دولاراً للصغار، بسبب الاكتظاظ الكبير على المسارات والمصاعد.
ويضيف سلامة «حجم شبكة المسارات، ونوعية البنية التحتية، وكلفة التشغيل المرتفعة، كلها عوامل أساسية تدخل في احتساب الأسعار، ولا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي نعمل فيه».”.
أما بالنسبة لاختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى فيشرح سلامة قائلاً: “تسعير بطاقات التزلج يقوم على مجموعة عوامل، مؤكداً أنّ الكلفة التشغيلية تشكّل العبء الأكبر، إذ تعتمد المنتجعات بشكل شبه كامل على المولدات لتأمين الكهرباء، ما يعني فاتورة مرتفعة للمازوت والصيانة، إضافة إلى كلفة تشغيل المصاعد والآليات الثقيلة المخصّصة لتمهيد الثلوج”.
ويتابع: “تشغيل أي منتجع يحتاج إلى طواقم بشرية كبيرة تعمل طوال اليوم، من فرق إنقاذ وسلامة، إلى عمّال صيانة وإدارة وتنظيم، وكل ذلك ينعكس أعباءً مالية إضافية تتحمّلها الإدارة”.
كما يلفت إلى أنّ الموقع الجغرافي يلعب دوراً أساسياً في استقطاب الزوار، موضحاً أنّ المنتجعات القريبة من بيروت، مثل كفرذبيان، تستفيد من سهولة الوصول وقصر المسافة، ما يرفع نسبة الإقبال. في المقابل، تضطر المنتجعات البعيدة إلى اعتماد أسعار أقل لتعويض كلفة التنقّل”.
ويشير سلامة إلى أنّ “غياب المشاريع التطويرية والإهمال المزمن للبنية التحتية في بعض المناطق الجبلية يؤثر سلباً على قدرتها التنافسية، رغم امتلاكها طبيعة ثلجية جميلة ومميّزة”.
ويلفت أيضاً إلى أن كلفة التزلج لا تقتصر على بطاقة الدخول فحسب، بل تشمل استئجار الملابس والمعدات، والنقل، وركن السيارات، والطعام. هذه المصاريف قد تضاعف الكلفة النهائية ليوم واحد على الثلج، خصوصاً بالنسبة للعائلات”.
ويعتبر أنّ “التزلج يبقى من الرياضات الشتوية المحبّبة في لبنان، لكنه بات، للأسف، خارج متناول شريحة واسعة من اللبنانيين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، داعياً إلى مقاربات سياحية أوسع توازن بين استمرارية القطاع وقدرة المواطنين على الاستفادة منه”.




