عهد الإصلاح يبدأ ببرلمان لا يراوغ باسم “التغيير”

إنّ مواكبة تسارع التحولات السياسية العالمية، وانعكاسها على البلدان الهشّة، لا يمكن أن تتم عبر منح الثقة لنواب رفعوا شعارات “التغيير” ولم يقدّموا سوى مشاريع تصب في خدمة “الإرادة الهدّامة”؛ إرادة تهدم ما تبقّى من مقومات العيش الحرّ للبنانيين
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
طوى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عامه الأول في سدّة الرئاسة. سنة حاول خلالها أن يؤسّس، ولو على المستوى السياسي والمعنوي، لأول ركائز غير ملموسة لدولة المؤسسات والقانون، تلك التي عاهَد بها اللبنانيين في إطلالته الأولى رئيساً منتخباً للجمهورية، بعد سنوات من الشغور والتآكل والانهيار المؤسساتي.
تمكّن الرئيس عون، خلال هذا العام، من احتواء جزء أساسي من منظومة الحكم وأدواتها المتغلغلة في الدولة العميقة، بما فيها شبكات النفوذ السياسية والأمنية والميليشيوية. لم يكن بعيداً عن هذه المنظومة، بل عرف مفاصلها جيداً، ما أتاح له التقدّم عليها في الإمساك بالسلطة التنفيذية، والشروع في التعيينات الأساسية، وفرض إيقاع جديد في إدارة الدولة. كما سجّل في رصيده قراراً غير مسبوق، اتُّخذ عبر الحكومة، يقضي بنزع سلاح جميع الفصائل المسلحة، بمن فيهم “حزب الله”، ورفع مستوى التفاوض مع إسرائيل ليُدار بين مدنيين وبرعاية أميركية مباشرة. يضاف إلى ذلك محطات انتخابية واجتماعية ودبلوماسية عدة، أعادت إلى الموقع الرئاسي بعضاً من حضوره وهيبته، وخلّفت انطباعاً مقبولاً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين المنهكين.
إلا أنّ هذه المشهدية، على أهميتها، لا يمكن أن تشكّل وحدها قاعدة صلبة لما هو آتٍ. فلبنان لا يُدار بالإرادة الرئاسية وحدها، ولا يُبنى على حسن النيات. اللبنانيون يتوقون إلى ما يخرجهم من أسر محلياتهم الضيقة، ومن إرثهم السياسي المثقل بالزبائنية والطائفية، لكن هذا الطموح لا يمكن تحميله لرئيس الجمهورية وحده، ولا يُطلب تحقيقه من أي رئيس، أياً كانت نواياه.
لبنان، بحكم الدستور، جمهورية ديمقراطية برلمانية، والمجلس النيابي هو جوهر تكوين السلطة وركيزتها. فإذا كان هذا الركن مشوّهاً، كما هي حال المجالس النيابية المتعاقبة في السنوات الأخيرة، يصبح الحديث عن دولة قانون وانتظام مؤسسات مجرد تمنيات. من هنا، وقبل محاسبة رئيس الجمهورية على ما تحقق أو تعثر من وعود خطابه القَسَمي، تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة توجيه البوصلة نحو اللبنانيين أنفسهم، ودعوتهم إلى تحمّل مسؤوليتهم الوطنية، عبر خوض معركة إعادة تكوين السلطة التشريعية.
هذه المعركة تبدأ بالضغط على “الأكثرية الصامتة” لكسر خمولها وتنصّلها من واجبها الانتخابي، ولا تنتهي إلا بفرض إعادة النظر في قانون انتخابي طائفي، مذهبي، ومشوّه، يشكّل أداة لإعادة إنتاج الطبقة نفسها، ولو بأقنعة مختلفة.
لا يليق ببيروت، أمّ الشرائع، ولا بلبنان الذي كان سبّاقاً في ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والريادة في هذا الشرق، أن يشهد تحولات إقليمية كبرى – من سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إلى تراجع النفوذ الإيراني بعد انكفاء الإملاءات التي فرضها “حزب الله” وتحكّمه بمفاصل الدولة – ثم يقبل، في لحظة مفصلية، بأن تتحوّل الانتخابات النيابية بعد أشهر، إلى فرصة لإعادة إنعاش الطغمة الحاكمة نفسها، وأدوات الدولة العميقة، عبر تحالفات هجينة تعيدها إلى التحكم بالمجلس النيابي المقبل.
فالنواب الذين دخلوا ساحة النجمة بفرق حواصل هزيلة، يصعب إقناعهم بتقديم مصلحة لبنان ومستقبل أجياله على مصالحهم الآنية، أو بالمبادرة إلى إدخال تعديلات جوهرية على قانون انتخابي استفادوا من عيوبه.
من هنا، فإنّ اللبنانيين الذين يستعجلون محاسبة رئيس الجمهورية على عهده، مدعوون أولاً إلى محاسبة أنفسهم، وعدم تكرار الخيارات الخاطئة التي أوصلت إلى البرلمان نواباً قدّموا مصلحة “حزب الله” وسلاحه التدميري على مصلحة الدولة اللبنانية.
ويُدرج في هذا السياق النواب والأحزاب التي تخوض الانتخابات بتحالف مباشر مع “حزب الله” المصنّف تنظيماً إرهابياً والمعاقَب دولياً، كما أولئك الذين استثمروا وجع الناس بعد “فورة” 17 تشرين، ليشكّلوا لاحقاً “حديقته الخلفية”، ويخوض من خلالهم “حزب الله” معارك إضعاف خصومه ومعارضي منطق المساكنة مع سلاحه الميليشيوي، الذي يستجلب الغارات الإسرائيلية اليومية ويضع لبنان في دائرة الخطر الدائم.
إنّ مواكبة تسارع التحولات السياسية العالمية، وانعكاسها على البلدان الهشّة، لا يمكن أن تتم عبر منح الثقة لنواب رفعوا شعارات “التغيير” ولم يقدّموا سوى مشاريع تصب في خدمة “الإرادة الهدّامة”؛ إرادة تهدم ما تبقّى من مقومات العيش الحرّ للبنانيين، ولا عبر قوى سياسية تناور وتتحايل عبر التحالف مع حزب إيراني، يرفض من حيث المبدأ قيام دولة قادرة، ذات سيادة، تحتكر قرار الحرب والسلم.
التحديات كبيرة، وهامش المناورة يضيق يوماً بعد يوم. وعلى اللبنانيين، إن أرادوا دولة فعلية لا وهمية، أن يتعهدوا لأنفسهم قبل غيرهم بعدم تكرار الخيارات التي أوصلتهم، وأوصلت لبنان، إلى هذا الدرك الخطير.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لبنان في زمن “شرطي العالم”: التسويف انتهى! | سلام يسخّر الدستور في خدمة الإرادة التدميريّة! | من بيروت إلى أورشليم: سبع سنوات لصناعة السلام والصلاة |




