ترسانة الحزب على الطاولة: التفاوض مقابل ضمانات؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
ضمانات سياسية مقابل ترسانة حزب الله؟ الفكرة عادت إلى الواجهة مع تدهور الوضع في الجنوب اللبناني وضعف المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه ووهن الدولة اللبنانية. وتشمل السيناريوهات المقترحة منصب نائب الرئيس ووزارة المالية وقيادة الجيش وتعديل قانون الانتخابات. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو محض تكهنات نظرية، لأنه يصطدم بخطوط حمراء سياسية لا يبدو أن حزب الله أو النظام اللبناني مستعدان لتجاوزها.
السؤال، المرفوض قبل سنوات قليلة، عاد ليطفو إلى السطح في بعض الأوساط السياسية والدبلوماسية. فمع استمرار النشاط في الجنوب، وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية ووضع لبنان المؤسسي المنهك، عادت فكرة إعادة تشكيل التوازنات السياسية في لبنان تماماً كما في كل لحظة مفصلية من عمر البلاد.
وضمن الأوساط نفسها، يدور الحديث عن “ضمانات” و”ترتيبات”، وربما حتى عن اتفاق سياسي مؤسس جديد يحسم ملف حزب الله والنظام السياسي القائم منذ اتفاق الطائف بالتوازي.
أما السيناريو فلا يخفى على أحد: حصول الحزب على ضمانات سياسية داخلية مقابل نزع السلاح أو التخفيف من حالة المواجهة مع إسرائيل على الأقل. وتشمل هذه الضمانات: منصب نائب الرئيس وتثبيت وزارة المالية للشيعة والسيطرة على بعض المناصب الأمنية وتعديل قانون الانتخابات لإعادة رسم التمثيل السياسي. على الورق، الفكرة مثيرة للاهتمام، لكنها تصطدم على أرض الواقع بخطوط حمراء راسخة.
وفي هذا السياق، علق مسؤول سياسي لموقع Ici Beyrouth، مصرحاً: “فلنقل الأمور كما هي. في لبنان، الموضوع يخضع للكثير من النقاش، لكن دون الدخول في الجوهر”. ولم يطرح النقاش حول مقايضة ترسانة حزب الله بمقابل سياسي يومًا بشكل رسمي وجدي، على الرغم من كل التكهنات في الأوساط السياسية والدبلوماسية.
عود على بدء
تاريخيًا، لا تعد فكرة إعادة هيكلة السياسة اللبنانية جديدة بالكامل. وهي تظهر بشكل دوري، وتحديداً عندما يتأثر التوازن الداخلي بالتغيرات الإقليمية. وبالفعل، بدأت العواصم الغربية تتساءل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وتحديداً بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب، عن كيفية إدماج حزب الله في الدولة، بعد أن ضعفت المبررات العسكرية لمفهوم “المقاومة”. المعادلة بسيطة من حيث الطرح، لكنها متفجرة في تداعياتها: كيف يمكن تحييد قوة مسلحة دون أي تعويض سياسي لها؟
وفي هذا السياق، طرحت فكرة مؤتمر حوار وطني بالتداول. أولًا بهدوء، ثم بشكل أكثر علانية خلال لقاءات دبلوماسية ومناقشات غير رسمية. وعادت الفكرة للظهور في يوليو 2008 في قصر La Celle-Saint-Cloud بشكل نظري وحذر، قبل طرح الموضوع بشكل أوضح في 2012، حين قدم الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، الفكرة كمساحة للتفكير في بناء الدولة.
ومع ذلك، في كل مرة تعود الفكرة للتداول، يرافقها القلق نفسه: خوف مشترك من المساس باتفاق الطائف، وبنظام التوازن الإسلامي-المسيحي الهش الذي تقوم عليه شرعية النظام اللبناني. وخلف هذا القلق، يلوح شبح إعادة توزيع السلطة ليس على أساس التوازن الطائفي القديم، بل وفق معادلة ثلاثية جديدة تمنح الشيعة نفوذًا ديموغرافيًا وسياسيًا أكبر. يقول المصدر الذي تحفظ عن ذكر اسمه: “المس باتفاق الطائف أو تعديل البنية المؤسسية، أو إعادة توزيع السلطة تحت ضغط السلاح، يعني إعلان فشل الدولة”.
ووفق المصدر نفسه، من غير المقبول القول إنّ حزب الله “يستحق” ضمانات دستورية. فلبنان يعيش منذ أكثر من ثلاثين عامًا دون سيادة كاملة، وإذا كان لا بد من الحديث عن تعويضات أو ضمانات، فإنّ الجهة التي يحق لها المطالبة بها هي الدولة اللبنانية، وليس أي طرف آخر، على حد تعبيره.
نقاش لا يريد حزب الله فتحه
على الرغم من كل التكهنات، لا يخوض حزب الله أي مفاوضات داخلية منظّمة حول سلاحه. ويؤكد مسؤول مطّلع أنّ الحزب لا يناقش مسألة ترسانته لا مع القوى السياسية اللبنانية ولا مع أي وسطاء أجانب، لأن مجرد الخوض في هذا الملف يعني الإقرار بأنّ السلاح قابل للتفاوض، وهو أمر يرفضه حزب الله بشكل قاطع، على الأقل في المرحلة الحالية.
وبالنسبة للحزب، السلاح ليس مجرد ملف أمني عادي، بل هو العمود الفقري لمشروع سياسي وإقليمي وأيديولوجي يتجاوز الإطار اللبناني. ومن هذا المنطلق، ليست الضمانات المتداولة اليوم، مثل منصب نائب الرئيس أو وزارة المالية أو قيادة الجيش، مطروحة رسميًا كما لا تشكّل شروطًا واضحة، بل تبقى تصورات خارجية أكثر منها مطالب فعلية تبناها الحزب.
“وطالما أنّ حزب الله يرى نفسه لاعبًا أساسيًا ضمن محور إقليمي، لا يستطيع الدخول في منطق المساومة الداخلية”، حسب المصدر.
وبناءً عليه، يبدو النقاش حول الضمانات اليوم أقرب إلى ذر للرماد في العيون. “طالما أنّ السلاح موجود، وطالما أنّ المشروع الإقليمي لم يُحسم، لن يسجل أي نقاش جدي”. وعليه، فإنّ السؤال الحقيقي لا يتمحور حول حاجة لبنان إلى عقد سياسي جديد، بل حول قدرته المؤسسية والسياسية على منع فرض مثل هذا العقد عليه!
مواضيع ذات صلة :
تحت الأنقاض: انهيار “الحزب” الاجتماعيّ | كواليس المخارج المتداولة لإنهاء السلاح | هل يُسلّم “الحزب” خرائطه إلى الجيش؟ |




