بين نِعمة الأمطار ونقمة الفيضانات… وزارة الأشغال تحت المجهر!

الإجراءات الاحترازيّة لم تنجح في ردع الفيضانات، بسبب ضعف البنى التحتيّة الّتي لا تستطيع تحمّل واستيعاب كميّات المتساقطات الكبيرة، والتعدّيات على قنوات تصريف المياه، فيما المطلوب تحديث شبكات البنى التحتيّة، الذي يتطلّب وقتًا ومبالغ ماليّة كبيرة.
كتب إيلي صروف لـ”هنا لبنان”:
بعد شحٍّ طويلٍ وقاسٍ في المتساقطات، رافقه أنينُ المواطنين والمزارعين من جهة، وازدهار عمل أصحاب صهاريج المياه من جهةٍ ثانية، أغدقت الطّبيعة نِعمها المطريّة الغزيرة، الّتي سرعان ما تحوّلت إلى نقمةٍ في لبنان. إذ انتقلنا بسرعةٍ من شبح الجفاف إلى شبح الفيضانات الّتي أغرقت العديد من الطّرقات، في مشهدٍ يتكرّر سنويًّا، مع كلّ ما يتبعُه من شكاوى ومناشدات وتقاذفٍ للمسؤوليّات.
فقد أدّى المنخفض الجوّي المصحوب بكتلٍ هوائيّةٍ شديدة البرودة، الّذي تأثّر به لبنان منذ الإثنين الماضي، إلى انخفاضٍ حادٍّ بدرجات الحرارة، وأمطارٍ غزيرة، وعواصف رعديّة، ورياحٍ شديدةٍ وصلت سرعتها إلى 90 كلم/س، وثلوجٍ لامست الـ1000 متر. ومعه، تحوّلت العديد من الطّرقات إلى بحيرات، وغرقت السّيّارات بالمياه، وانهارت التربة والصّخور، وألحقت السّيول الجارفة أضرارًا فادحةً بالممتلكات والمزروعات.
إنّ مشاهد الفيضانات على الطّرقات لم تعُد غريبةً أو استثنائيّة، بل أصبحت حدثًا يكتبُ فصلًا جديدًا مع كلّ موسم أمطار، نتيجة تقصيرٍ وإهمالٍ متراكمَيْن، وشبه غيابٍ لأعمال الصّيانة الدّوريّة لمجاري وشبكات الصّرف. هذا فضلًا عن قِدم واهتراء البنى التحتيّة، وعدم قدرة بعضها على تحمّل كميّات متوسّطة أو كبيرة من المتساقطات، كما أنّ الكثير من شبكات الصّرف الصّحي تتّصل أو تختلط بشبكات الأمطار، والفصل بينهما يتطلّب مشاريع بنى تحتيّة ضخمة وتمويلًا غير متوفّر حاليًّا.
إلى تلك الأسباب، تُضاف معضلةٌ أساسيّةٌ تساهم في تحويل أي عاصفةٍ شتويّةٍ إلى أزمة، وهي الرّمي العشوائي للنّفايات، الّذي يؤدّي إلى انسداد شبكات تصريف مياه الأمطار وتحوّلها إلى فيضانات. وكانت وزارة الأشغال العامّة والنّقل قد أطلقت في 24 أيلول 2025، حملةً وطنيّةً شاملةً للتوعية على عدم رمي النّفايات والحدّ من مخاطر فيضانات الشّتاء، تحت شعارَيْها: “إذا غرقت الدّني… بيكون من إيدنا” و”الشتاء نعمة… ما تحوّلو لنقمة”، مشدّدةً على أنّ “المسؤوليّة مشتركة بين الدّولة والمواطنين لتفادي الفيضانات”. غير أنّ ما جرى أظهر محدوديّة تأثير حملات التوعية وحدها في الحدّ من هذه الظاهرة.
وزارة الأشغال بين التقصير والمعالجة
إزاء ما شهدته الطّرقات، وُجّهت أصابع اللّوم أوّلًا إلى وزارة الأشغال، الّتي اتُهمت بعدم القيام بالأعمال الضّروريّة والكافية لتفادي الفيضانات. إلّا أنّ المدير الإقليمي لوزارة الأشغال في البقاع المهندس محمد الحاج شحادة يوضح، في حديث لـ”هنا لبنان”، أنّ “مسؤوليّة وزارة الأشغال تقتصر على الطّرقات الدّوليّة، منها طريق الحازمية – المصنع، وطريق شتورا – بعلبك، والحدود اللّبنانيّة – السّوريّة، وأيّ فيضانٍ يحصل على هذه الطّرق هو من مسؤوليّة الوزارة”.
ويشير إلى أنّ “الوزارة أجرت التلزيمات اللّازمة للقيام بأعمال تنظيف وتعزيل شبكات تصريف مياه الأمطار والمجاري الصّحيّة، والمتعهّدون وفرق الطّوارئ والفرق الميدانيّة متواجدون على الأرض للمراقبة والتدخّل عند الحاجة، كما أنّ استشاريّين من كبرى مكاتب الإشراف الاستشاريّة يواكبون الأعمال ميدانيًّا، وذلك للمرّة الأولى”.
ويؤكّد الحاج شحادة أنّ “وزارة الأشغال لزّمت الملفّات قبل بدء موسم الشّتاء، وهي تراقب عمل المتعهّدين، وتتابع كلّ ما يجري يوميًّا، ولديها موظفون بإمكانهم إجراء المراقبة وفرض عقوبات على المتعهّدين الّذين لا يقومون بواجباتهم على أكمل وجه، لكنّها لا تمتلك العناصر القادرة على إجراء أعمال يدويّة على الأرض، كإزالة أحجار هنا أو فتح أقنية تصريف هناك. والوزارة بحسب إمكاناتها، تتابع وتحلّ كل مشكلة عن طريق تشريحها”.
لكنّ الإجراءات الاحترازيّة لم تنجح في ردع الفيضانات، وهنا يسلّط الضّوء على مشكلتَيْ “ضعف البنى التحتيّة الّتي لا تستطيع تحمّل واستيعاب كميّات المتساقطات الكبيرة، والتعدّيات على قنوات تصريف المياه”، مُبيّنًا أنّ “دور الوزارة في هذا الإطار هو تحديث شبكات البنى التحتيّة، وهذا ما بدأت بالعمل عليه، لكنّ ذلك يتطلّب وقتًا ومبالغ ماليّة كبيرة”. ويكشف أنّه “تمّت معالجة كلّ ما تسبّبت به العاصفة الأخيرة في غضون وقت قصير”.
ويشدّد الحاج شحادة على أنّ “مسؤوليّة المواطنين الحفاظ على النّظافة العامّة”، لافتًا إلى أنّ “المسؤوليّة مشتركة وموزّعة، والوزارة لا تتهرّب من مسؤوليّتها، وهي تتابع كلّ الملفّات، وقد كانت المشاكل في العاصفة الأخيرة محليّة ومحصورة، والحلول كانت دقيقة ومركّزة”.
وعن الخطوات الّتي ستتخذها وزارة الأشغال، استعدادًا للمُنخفضات الجوّيّة المقبلة، في محاولةٍ لتفادي غرق الطّرقات ومَن عليها بالأمطار، يفيد بأننا أجرينا أمس وسنجري اليوم اجتماعات مع كلّ المتعهّدين المسؤولين عن هذه الملفّات وهيئة المكاتب الاستشاريّة، لإعادة تحديد النّقاط الّتي تشهد غالبًا فيضانات، لتكثيف جهودنا عليها تفاديًا لأي مشاكل مستقبليّة.
لا تتحمّل الدّولة وحدها مسؤوليّة المشاهد المُخزية على الطّرقات مع كلّ زخّة مطر، بل تتشاركها مع بلديّاتٍ مقصّرة ومواطنين بلا مسؤوليّة. فهل سنرى قريبًا إجراءات رادعة فاعلة، وانتقالًا من الحلول الظّرفيّة إلى خطط الصّيانة الشّاملة والمعالجات المستدامة؟ والأهمّ هل ستتحسّن خطط إدارة واستثمار القطاع المائي ويتمّ الاستفادة من خيرات السّماء بحِكمة، أم أنّ بلد الينابيع والأنهار سيواجه مجدّدًا خطر العطش والجفاف مع حلول فصل الصّيف؟.
مواضيع مماثلة للكاتب:
أدويةٌ منتهية الصلاحيّة… ومعنيّون يتراشقون المسؤوليّة! | الأزمة النّظاميّة تنخر لبنان… فأي سبيل للخروج منها؟! | قانون السّير حيٌّ على الورق… ميتٌ على الطّرق! |




