الاستيلاء على الشّريط السّاحليّ والتعدّيات على الأملاك البحريّة العامة في لبنان

ترجمة هنا لبنان 16 كانون الثاني, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

تعود مسألة الأملاك البحريّة العامة في لبنان إلى الواجهة. ففي اجتماع عقده مجلس الوزراء الثلاثاء الماضي، خصّصت الحكومة الجلسة لنقاش حول هذا التّراث المهمل منذ مدّة طويلة، مشيرةً إلى ضرورة تعزيز التّنسيق بين الإدارات المعنيّة بهدف تحقيق عائدات ماليّة أكبر.

وفي خلفيّة هذا النّقاش، يكشف الواقع أنّ الساحل اللبنانيّ، وعلى الرغم من إمكاناته الاقتصاديّة الهائلة، يبقى ضحيّة احتلالات غير قانونيّة، واستثمارات غير رسميّة، وإدارة مجزّأة تحرم الخزينة من موارد حيويّة.

وراء هذا الخطاب التقنيّ، يرتسم واقع أعمق. فإذا كان الساحل اللبنانيّ يمثّل ثروةً محتملةً من خلال الامتيازات المينائيّة، والمنشآت السياحيّة، والأنشطة الشاطئيّة، والثّروات البحريّة، فإنّه في الوقت عينه يجسّد أحد أكثر إخفاقات الدولة القانونيّة استمراريّة. إذ جرى تقليص الأملاك البحريّة العامة وخصخصتها على مدى عقود، أحيانًا بموجب مراسيم قانونيّة، وغالبًا بطريقة غير قانونيّة في ظلّ تجاهل شبه كامل. ويطرح الإعلان عن جردة سريعة و”تثمين” الساحل سؤالًا جوهريًّا، لا يمكن التّغاضي عنه: ماذا تبقّى فعليًّا من الأملاك البحريّة العامة، وبأي ترتيبات جرى الاستيلاء عليها؟

وتفرض هذه التساؤلات اليوم العودة إلى الأساسيّات قبل الحديث عن زيادة في الإيرادات. فلا بدّ أولًا من توضيح مفهوم الأملاك البحريّة العامة، والأسس القانونيّة الّتي تقوم عليها، وكيف جرى تحويلها تدريجيًّا عن غايتها الأصليّة، وما هي كلفة هذه التعديّات، سواء أُجيزت أم لا، على الدولة اللبنانيّة، والمواطنين المحرومين من الوصول إلى البحر.

الملك البحريّ العام: تعريفه وإطاره القانونيّ

يعتمد الملك البحريّ العام في لبنان على أسس قانونيّة قديمة وواضحة، إذ ينصّ المرسوم رقم 144/S بتاريخ 10 حزيران 1925، الصّادر تحت الانتداب الفرنسيّ والساري حتّى اليوم، على أن الشاطئ البحريّ، والشواطئ الرمليّة، والحصويّة، وصولًا إلى أقصى ارتفاع تبلغه الأمواج في الشّتاء، فضلًا عن الأراضي المكتسبة على البحر عن طريق الرّدم، تدخل جميعها ضمن ملك الدولة العام. ويُعتبر الملك هذا غير قابل للتصرّف، وغير قابل للتّقادم؛فلا يجوز بيعه، أو اكتسابه بالتّقادم، أو بالملكيّة المكتسبة بالاستيلاء الطّويل والمعلن، ولا يجوز تحويله إلى ملكيّة خاصّة مهما طال زمن احتلاله.

وأكّدت مجموعة من النّصوص التنظيميّة والتشريعيّة على هذا المبدأ على مرّ العقود. فجاء المرسوم رقم 4810 بتاريخ 24 حزيران 1966 لتنظيم شروط احتلال الأملاك البحريّة العامّة الموقّت، مع إعادة التّأكيد على طابعه العام. لكنّه يضيف، في الوقت عينه، مفهومًا أصبح لاحقًا جوهريًّا، ومثيرًا للجدل، وهو إمكان منح الدولة، بموجب مرسوم، تصاريح احتلال موقّتة لأغراض سياحيّة، أو صناعيّة، أو اقتصاديّة، شرط أن تخدم المصلحة العامة. وقد تحوّلت هذه الثّغرة القانونيّة، المصمَّمة أصلًا كاستثناء محكم، تدريجيًّا إلى قاعدة.

قبل الحرب الأهليّة، كانت التّصاريح محدودة نسبيًّا، وخضعت لرقابة نظريّة. وبعد عام 1975، ولا سيّما بعد انتهاء الصّراع في 1990، دخل الساحل اللبنانيّ منطقةً رماديّةً. فانهارت سلطة الدولة، وسادت إعادة الإعمار العشوائيّة، وبرزت التّسويات السياسيّة، والفساد المستشري، ما أدّى إلى نشوء بيئة خصبة للانتهاكات الواسعة. وظهرت عشرات المشاريع من دون أي تصاريح واضحة، في حين مورس تقنين لاحق على أخرى، بواسطة مراسيم مُصمَّمةخصّيصًا لتلك المشاريع.

من الناحية القانونيّة، يبقى أي احتلال للملك البحريّ العام موقّتًا. فهو لا يمنح أي حقّ ملكيّة، ويتعيّن تجديده سنويًّا، كما يمكن سحبه في أي وقت من دون أي تعويض إذا اقتضت المصلحة العامة. في المقابل، يُفترض أن يدفع المحتلّ رسومًا سنويّةً للدّولة، تُحتَسب وفق مساحة الأرض، والمنطقة الجغرافيّة، وطبيعة النّشاط. من الناحية النظريّة، كان من المفترض أن يمكّن هذا النظام الدولة من استثمار الملك العام بأفضل طريقة، مع إبقاء سيطرتها الكاملة عليه.

في الممارسة العمليّة، فقد هذا النّظام جوهره، إذ تعتمد الرسوم المعمول بها على مراسيم قديمة، غالباً باللّيرة اللبنانيّة، وبنُسبٍ زهيدةٍ، من دون إعادة تقييم حقيقيّة تواكب قيمة الأراضي الساحليّة الفعليّة. وحتّى بعد التّعديلات الجزئيّة التي أُقرّت في السنوات الأخيرة، لا تزال المبالغ المحصّلة بعيدةً كلّ البعد عن الأرباح الفعليّة الّتي يحقّقها المستغلّون. وأصبحت احتلالات الملك البحريّ العام القانونيّة، بالنسبة للبعض، مصدر دخل شبه رمزيّ، ولآخرين مجرّد إجراء إداريّ شكليّ

الاحتلالات غير القانونيّة: خصخصة فعليّة للسّاحل

لا يقتصر جوهر الفضيحة اليوم على الاحتلالات القانونيّة منخفضة الرّسوم، بل يكمن بشكلٍ أساسي في توسّع الاحتلالات غير القانونيّة الهائل. ووفق البيانات المتقاطعة بين وزارة الأشغال العامة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ، والتّحقيقات الصحافيّة الأخيرة، تشير التّقديرات إلى أن أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون متر مربّع من الملك البحريّ العام مشغول حاليًّا على طول الساحل اللبنانيّ. ويُلاحَظ أيضًا أنّ نحو نصف هذه الأراضي لا تحمل أي تصريح صالح. وتشمل هذه الاحتلالات منتجعات شاطئيّة، ومطاعم، وموانئ خاصّة، ومجمّعات سكنيّة، وردمًا غير مصرّح له.

عمليًّا، يعني ذلك أنّ حوالى 20% من الساحل اللبنانيّ يبقى متاحًا بحريّة للعامّة. إذ يتيح قرابة أربعين كيلومترًا من الساحل فحسب وصولًا مباشرًا ومجّانيًّا إلى البحر. أمّا المساحة المتبقّية فمقسّمة، أو مسوّرة، أو مشروطة بدفع رسوم. ولا تقتصر هذه الخصخصة الفعليّة على المناطق السياحيّة الرّاقية، بل تمتدّ لتشمل مناطق واسعة من الشّمال إلى الجنوب، ما يحوّل حقًّا جماعيًّا إلى امتياز لفئة معيّنة.

أما الكلفة على الدولة فهي هائلة. فالتّقديرات تختلف، لكنّ مصادر متطابقة متعدّدة تشير إلى خسائر سنويّة بملايين الدولارات جرّاء الرّسوم غير المحصّلة. وعلى المدى الطويل، قد تصل الخسائر التراكميّة إلى مئات الملايين من الدولارات.

استعادة الشاطئ: تحدّ كبير للدولة

بقيت مشاريع القوانين الهادفة إلى تنظيم الاحتلالات غير القانونيّة، أو فرض الرّسوم عليها، أو تفكيكها، مجرّد حبر على ورق لسنوات طويلة. اقترح بعض هذه القوانين قوننة الوضع مقابل تسديد مبالغ ماليّة، بينما دعت أخرى إلى استعادة الملك البحريّ العام بشكل كامل. ولم ينجح أي منها فعليًّا، إذ ظلّت المبادرات كافة محاصرةً بين الضّغوط السياسيّة، والمصالح الاقتصاديّة، وغياب الإرادة التنفيذيّة.

ولاح في الأشهر الأخيرة بصيص أمل. ففي كانون الأوّل 2025، ألغى مجلس الدولة مرسومًا يسمح باحتلال نحو 70 ألف متر مربّع من الملك البحريّ العام في زوق مصبح. وتمثّل هذه الخطوة، غير المسبوقة من حيث الأثر، نقطة تحوّل مهمّة، إذ اعترفت أعلى سلطة قضائيّة إداريّة، وللمرّة الأولى، بأنّ المصلحة العامة وحماية الملك البحريّ العام تتفوّقان على التّسويات السياسيّة والاقتصاديّة، وفتحت الباب أمام إعادة النظر في المراسيم المعتَمدة خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت عينه، أثارت اليوم مبادرة الحكومة لإعادة النّظر في تصاريح كثيرة مثيرة للجدل، الأمل والشكّ في آن. وتعتبرها المنظّمات غير الحكوميّة والمجموعات المدنيّة الّتي وثّقت لسنوات الانتهاكات على طول السّاحل، فرصةً تاريخيّةً، بينما يخشى آخرون أن تكون عمليّة تجميليّة، لا تفكّك فعليًّا الانتهاكات الاكثر فظاعة.

تجدر الإشارة إلى أنّ البحر في لبنان ليس مجرّد خطّ أزرق في الأفق، بل هو حقّ، ومصلحة عامة، وثروة وطنيّة منصوص عليها صراحة في نصوص الدّولة الأساسية. ومع ذلك، كلّما تجوّلنا على طول 220 كيلومترًا من الساحل اللبنانيّ، يبدو أنّ هذا الحقّ يتلاشى خلف أسوار، ومجمّعات شاطئيّة، وموانئ خاصّة، وردم خرسانيّ، وبناءات غير قانونيّة، تحوّلت مع الوقت إلى وقائع ثابتة.

ويجسّد تاريخ الملك البحريّ العام تاريخًا من الانزلاق التدريجيّ: من الحماية القانونيّة إلى السيطرة الخاصّة، ومن القانون إلى التّسامح، ثمّ إلى الإفلات من العقاب.

وكما في أي قصّة، يبقى السّؤال الأساسي: كيف ستكون نهاية هذه الملحمة المتعلّقة بالملك البحريّ اللّبنانيّ العام؟ هل سيتحلّى البلد بالإرادة، وبوسائل تمكّنه من إعادة السّاحل إلى جميع المواطنين الّذين يملكون حقّ الوصول إليه؟ وهل سيتمكّن من تحويل الوعود الوزاريّة إلى أفعال ملموسة؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us