جنون المعادن مستمر: الذهب والفضّة يكتبان فصلًا جديدًا في تاريخ الأسعار!


خاص 17 كانون الثاني, 2026

يُجْمع الخبراء على أهمية تنويع المحفظة الاستثمارية كاستراتيجية رئيسية للحفاظ على رأس المال وتقليل المخاطر. فبدلًا من الاعتماد على نوعٍ واحدٍ من الأصول، يُنْصَحُ المستثمرون بتوزيع استثماراتهم بين الذهب والفضّة والأسهم والعقارات، وهو ما يمنح المحفظة مرونةً أكبر أمام تقلّبات السوق.


كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

يشتعل الطلب العالمي على المعادن بوتيرةٍ غير معهودة، في مشهدٍ يعكس تحوّلات عميقة في الاقتصاد العالمي وتوازنات الأسواق المالية. هذا الزّخم المتزايد يدفع الأسعار إلى قفزات تاريخية غير مسبوقة، ويضع المعادن الثمينة في صدارة اهتمامات المستثمرين وصنّاع القرار على حدٍّ سواء. ففي ظل حالةٍ من عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، اخترق الذهب حاجز الـ 4600 دولار للأونصة، متجهًا بثبات نحو مستوى 5000 دولار الذي بات يُنظر إليه كحاجزٍ نفسي واقتصادي بالغ الأهمية. في الوقت ذاته، حلّقت الفضّة فوق مستوى 90 دولارًا، مقتربةً من عتبة الـ 100 دولار، في تحرّك يعكس طلبًا صناعيًّا واستثماريًا متناميًا عليها. تأتي هذه التحرّكات الصاعدة في ظلّ مجموعة من العوامل الأساسية، من بينها التضخّم المستمر، والسياسات النقدية المتقلّبة، وتراجع الثقة في بعض الأصول التقليدية، وهي عوامل مجتمعة تُعيد رسم ملامح أسواق المعادن الثمينة وتفرض واقعًا جديدًا على المستثمرين حول العالم.

بحسب خبير أسواق المال نديم السبع، نلاحظ أنّ الارتفاعات القياسية بدأت في شهر نيسان من عام 2025، وكان هذا الاتجاه الصاعد “الترند” واضحًا لعدة أسباب؛ أولًا، لأن البنوك المركزية والبنوك الاستثمارية حول العالم تلجأ إلى شراء الذهب بشكلٍ مستمرٍّ، ما يخلق مزيدًا من الطلب ويدعم الأسعار. ثانيًا، لأنّ الضغوط على الدولار الأميركي يقابلها ارتفاع في الطلب على المعادن، خصوصًا بعد الصراع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، إضافةً إلى التوتّرات الجيوسياسية العالمية التي تدفع إلى المزيد من الطلب على المعادن، وخاصةً الذهب والفضة.

وأضاف السبع أنّ التوقعات تشير إلى استمرار الارتفاعات، لأنّ العوامل التي أدّت إلى الصعود ما زالت قائمةً بل وتتزايد. ومع ذلك، تشهد الأسواق المالية والأصول والمعادن عادةً بعض التصحيحات السعريّة، وقد تكون هذه التصحيحات نتيجةً لجني الأرباح من قبل بعض المستثمرين، أو إعادة تموضع لدى آخرين قبل معاودة الصعود مجدّدًا، لنشهد ارتفاعات تتجاوز 100 دولار لأونصة الفضة، وأكثر من 5000 دولار للذهب.

الأرقام: منذ مطلع عام 2025 وحتى اليوم، قفز الذهب من مستوى 2600 دولار إلى نحو 4600 دولار للأونصة الواحدة، أي بارتفاع يقارب 77% خلال فترة قصيرة، ما يعكس زيادةً غير مسبوقة في الطلب على الذهب كملاذٍ آمنٍ ضدّ المخاطر الاقتصادية والتقلبات العالمية. هذا الصعود السريع يشير إلى تزايد القلق بين المستثمرين تجاه التضخم والسياسات النقدية المتقلّبة، إضافةً إلى المخاطر الجيوسياسية التي دفعت الكثيرين إلى تحويل جزء كبير من محافظهم الاستثمارية إلى المعادن الثمينة، ما عزّز من قوة الطلب ورفع الأسعار إلى مستويات تاريخية.

أمّا الفضة، فقد سجّلت قفزةً أكثر لفتًا للانتباه، إذ ارتفعت من 30 دولارًا للأونصة في بداية عام 2025 إلى نحو 90 دولارًا اليوم، ما يعني ارتفاعًا هائلًا بنسبة 200%. هذا النموّ الكبير لا يُعزى فقط إلى الطلب الاستثماري، بل يعكس أيضًا ارتفاعًا في الطلب الصناعي على الفضّة، خصوصًا في قطاعات الطاقة المتجدّدة والإلكترونيات، حيث تُستخدم الفضّة بكثافة. وبذلك، تصبح الفضّة ليست مجرد معدن ثمين، بل عنصرًا حيويًا في الاقتصاد العالمي، ما يجعل تحركات أسعارها مؤشرًا مهمًّا إلى صحة الأسواق والتوجهات المستقبلية للمعادن.

وأكّد السبع أن هناك إقبالًا كبيرًا من المستثمرين والمتداولين والأفراد والبنوك على هذه المعادن، سواء بهدف تحقيق الأرباح أو لحماية أموالهم من التضخّم وتراجع قيمتها. كما لفت إلى أنّه في الوقت الراهن يجب على المستثمر أن يمتلك خطةً استثماريةً واضحةً تقوم على الدخول إلى السوق عبر مراحل محددة وبمبالغ مدروسة، وذلك لحمايته من أي انخفاض محتمل في الأسعار، خصوصًا أنه من الطبيعي أن تشهد الأسعار تصحيحات أو تراجعات في حال زوال أحد العوامل الداعمة للارتفاع.

وشدد السبع على أنّ دخول المستثمر إلى السوق بمبلغ كبير دفعةً واحدةً يجعله أكثر عرضة للخسارة والانتكاس عند أي هبوط مفاجئ، بينما اعتماد استراتيجية الاستثمار التدريجي بمبالغ أصغر وعلى فترات زمنية مختلفة يساعد على حماية الأصول وتقليل المخاطر، وهو ما يُعرف بمبدأ “متوسّط تكلفة الشراء”.

وفي الختام، يُجْمع الخبراء على أهمية تنويع المحفظة الاستثمارية كاستراتيجية رئيسية للحفاظ على رأس المال وتقليل المخاطر. فبدلًا من الاعتماد على نوعٍ واحدٍ من الأصول، يُنْصَحُ المستثمرون بتوزيع استثماراتهم بين الذهب والفضّة والأسهم والعقارات، وهو ما يمنح المحفظة مرونةً أكبر أمام تقلّبات السوق. إلى جانب ذلك، يوصي الخبراء بالاحتفاظ بنسبة تتراوح ما بين 10% و 20% سيولةً نقديةً، لضمان القدرة على مواجهة الطوارئ والاستفادة من الفرص المفاجئة، سواء في الأسواق المالية أو في الاستثمار في المعادن أو العقارات. هذه الاستراتيجية لا تعمل فقط كوسيلةٍ للتحوّط من المخاطر والتضخّم، بل تساعد أيضًا على الحفاظ على قيمة الأموال على المدى الطويل، وتمنح المستثمرين راحة البال والثقة في مواجهة تقلّبات الأسواق العالمية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us