فرض السلام يمرّ من طهران… رأس الأفعى أوّلًا!


خاص 19 كانون الثاني, 2026

لا شيء يتقدّم اليوم على تفكيك شبكة التهديد الإيرانية التي أرهقت العرب قبل سواهم. هذا واقع لا يمكن القفز فوقه. ومَن يعتقد أنّ حماية النظام الإيراني تحمي الاستقرار العربي، يُسيء قراءة الوقائع.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

ليس خافيًا أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعاد صياغة لغة السياسة الدولية على طريقته. لا دبلوماسية رمادية، ولا بيانات مائعة، ولا تسويات “حياكة السجاد”. رئيس يعمل بمنطق الحسم، ويستخدم أسلوبًا خشنًا ومباشرًا، يرى في التردّد ضعفًا، وفي المساومات استنزافًا بلا جدوى. هذا الأسلوب اختبره العالم في فنزويلا، ويُعاد استخدامه اليوم مع غرينلاند، وقد يمتدّ إلى ملفات أكثر حساسيّة، في مقدّمتها إيران.

ترامب لا يفاوض الأنظمة التي يضعها في خانة التهديد. يصنّفها خصمًا، ثم يبدأ الضغط المنهجي حتى اختناقها: عقوبات قاسية، عزل سياسي، تهديد مباشر، واستخدام الاقتصاد كسلاح. ما جرى مع نيكولاس مادورو لم يكن حدثًا محليًّا في كاراكاس، بل نموذجًا واضحًا لما ينتظر كل نظام يصرّ على تحدّي الإرادة الأميركية خارج قواعد “اللعبة الترامبية”. الرسالة صريحة: من يهدّد الاستقرار الدولي ومصالح الولايات المتحدة سيدفع الثمن، عاجلًا أم آجلًا.

من كاراكاس إلى غرينلاند، تبدو الاعتراضات الأخلاقية الأوروبية تفصيلًا ثانويًا أمام التحوّلات الكبرى التي تُعيد رسم معالم الشرق الأوسط. ما يعنينا في هذه المنطقة ليس الجدل النظري حول الأسلوب، بل جوهر الصراع القائم، وتحديدًا الصراع المفتوح بين إسرائيل وإيران. فإيران، منذ أكثر من أربعة عقود، لم تصدّر إلى محيطها سوى مشروع واحد: الفوضى المنظّمة تحت شعار “محور المقاومة”.

مشروع قائم على إنشاء أذرع عسكرية، وتمويل ميليشيات، وزرع كيانات موازية للدولة، من لبنان إلى اليمن، مرورًا بفلسطين، العراق وسوريا… كيانات دفعت بالمنطقة إلى حافة الانهيار، وسرّعت مغامرة “طوفان الأقصى” في كشف هشاشتها العسكرية والسياسية، سواء في غزّة أو في جنوب لبنان، قبل أن تنضم إدارة ترامب، بخلاف إدارات أميركية سابقة، إلى فرض شروط جديدة للاستقرار في الشرق الأوسط.

ترامب لم يفصل بين الملف النووي الإيراني وبين السلوك الإقليمي لطهران. لم يكتفِ بالحديث عن تخصيب اليورانيوم، بل وضع إصبعه مباشرة على جوهر المشكلة: النظام نفسه. حين يتحدث الرئيس الأميركي عن “قيادة دمّرت بلدها وصدّرت العنف”، فهو لا يناور لغويًا ولا يخاطب الناخب الأميركي فقط، بل يحدّد الهدف السياسي بوضوح: كسر قدرة النظام الإيراني، وتحديدًا المرشد الأعلى، على التحكم بالمشهد الإقليمي.

من هنا، فإنّ رفع التهديدات الإيرانية عن دول المنطقة لا يبدأ من جنوب لبنان، ولا من البحر الأحمر، ولا من بغداد أو دمشق. بل يبدأ من طهران. من مركز القرار. من رأس الأفعى. هذه ليست مقولة إنشائية، بل خلاصة تجربة سياسية وأمنية طويلة. كلّما اشتد الضغط على إيران، خفتت نبرة أذرعها. وكلما تنفّست طهران اقتصاديًا أو سياسيًا، ازدادت شهية “محور المقاومة” على التصعيد والابتزاز.

حزب الله، في هذا السياق، لم يكن يومًا مشروعًا لبنانيًا مستقلًا. هو جزء لا يتجزّأ من منظومة إقليمية تموّلها وتديرها إيران. خطابه، وسلاحه، وحدود حركته، كلّها مرتبطة بقرار يتخذ في طهران. لذلك، فإنّ أيّ حديث عن نزع سلاح الحزب أو تحجيم دوره أو إنهاء تهديده، من دون تحييد الرأس المشغّل في طهران، يبقى وهمًا سياسيًا. حين يُضرب الرأس، تسقط الأذرع تلقائيًا، أو يصبح “طويلًا على رقبتهم” فرضُ المعادلات بالقوة وأدواتُ التهويل.

المفارقة اللافتة أنّ أصواتًا إيرانيةً داخليةً تطالب بإسقاط خامنئي، في وقتٍ تُبدي فيه بعض الدول العربية خشيتها العلنية من انهياره بذريعة “الفوضى”، وبذريعة غير معلنة هي الخوف من تأثير “الدومينو” (Domino Effect). هذا الموقف يتجاهل حقيقة أساسية: الفوضى قائمة أصلًا، ومصدرها طهران. الحوثيون في اليمن، الميليشيات في العراق، الجماعات المسلحة من “حماس” إلى “حزب الله”، كلها أدوات ضغط إيرانية استُخدمت لابتزاز دول المنطقة وتهديد أمنها واستقرار شعوبها.

من هنا، لا شيء يتقدّم اليوم على تفكيك شبكة التهديد الإيرانية التي أرهقت العرب قبل سواهم. هذا واقع لا يمكن القفز فوقه. ومَن يعتقد أنّ حماية النظام الإيراني تحمي الاستقرار العربي، يُسيء قراءة الوقائع. هذا ما عبّر عنه بوضوح السيناتور الأميركي ليندسي غراهام عبر “ديس إز بيروت” (This is Beirut)، في توصيفه للحظة السياسية الراهنة، باعتبارها لحظة مفصلية لا تحتمل أنصاف المواقف.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us