الأمن الغذائي مهدّد… نزار هاني لـ”هنا لبنان”: إصلاح الزراعة خط الدفاع الأول

الرهان اليوم هو على سياسات زراعية علمية، منظمة، وتشاركية، قادرة على حماية صحة اللبنانيين، دعم المزارعين، وبناء قطاع زراعي مرنٍ قادر على الصمود والنمو في أصعب الظروف.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في ظلّ الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، يعود ملفّ الأمن الغذائي إلى الواجهة كأحد أخطر التحدّيات التي تهدّد الاستقرار الاجتماعي والصحي والمعيشي للبنانيين. فقد قرع أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) جرس الإنذار مجدّدًا، كاشفًا هشاشة الواقع الغذائي واستمرار تعرّضه للصدمات، على الرّغم من بعض مؤشرات التحسّن المحدودة.
وفق التحليل الذي أطلقته وزارة الزراعة اللبنانية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، للفترة الممتدة من تشرين الثاني 2025 إلى تموز 2026، فإنّ نحو 874 ألف شخص، أي ما يُقارب 17% من السكّان المشمولين بالدراسة، يواجهون مستويات أزمة أو طوارئ من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، مع توقّعات بارتفاع العدد إلى نحو 961 ألف شخص خلال الأشهر اللاحقة، نتيجة تراجع المساعدات الإنسانية واستمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية والنزوح وتأخّر إعادة الإعمار.
ويُظهر التقرير أنّ التعافي لا يزال غير مستدام، وأنّ شريحةً واسعةً من الأُسَرِ تقف على حافة الانزلاق إلى مراحل أكثر خطورةً، في ظلّ تفاوت جغرافي واجتماعي واضح، يطال مناطق عدّة من بعلبك – الهرمل، عكار، بعبدا، زحلة، صيدا، بنت جبيل، مرجعيون، النبطية، صور، إضافةً إلى المجتمعات اللّاجئة. كما يلفت إلى بطء تعافي سبل العيش الزراعية، وتضرّر البنى التحتية الزراعية، وارتفاع كلفة المُدخلات، وتزايد موجات الجفاف، ما انعكس تراجعًا في الإنتاج، ولا سيما في البقاع والجنوب.
في هذا السياق المقلق، تبرز مقاربة وزارة الزراعة كأحد محاور المواجهة الأساسية، من خلال العمل على تنظيم القطاع الزراعي، وتعزيز سلامة الغذاء، وبناء سياسات طويلة الأمد قادرة على تحويل الزراعة من قطاع متأزّم إلى ركيزة أساسية في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. وفي هذا الإطار، يؤكّد وزير الزراعة نزار هاني، في حديث خاص لموقع “هنا لبنان”، أنّ “المرحلة الحالية تشكّل نقطة تحوّل في العمل الزراعي في لبنان، سواء على مستوى تنظيم الإنتاج، أو تشديد الرقابة الصحية والحدودية، أو في التحضير لخطة وطنية شاملة تُعيد للقطاع الزراعي دوره في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني”.
ويشرح هاني أنّ “وزارة الزراعة تعمل منذ أشهر بجهدٍ مكثّفٍ على تنظيم عملية الإنتاج الزراعي، انطلاقًا من إنشاء وتفعيل ما يُعرف بسجل المزارعين”. ويقول إنّ “هذا السجل لا يهدف فقط إلى جمع بيانات إدارية، بل إلى بناء قاعدة معلومات دقيقة تسمح للوزارة بأن تعرف فعليًا مَن هم المزارعون، وأين ينتشرون، وما هي الكمّيات التي ينتجونها، وأنواع الزراعات التي يعتمدونها. برأيه، لا يمكن لأي سياسة زراعية جدّيةٍ أن تنجح من دون هذا النوع من التوثيق، لأنّ التخطيط يبدأ دائمًا من معرفة الواقع كما هو، لا كما يُفترض أن يكون”.
ويُضيف أنّ “الهدف النهائي من هذا التنظيم هو الارتقاء بجودة الغذاء المنتج في لبنان، عبر تشجيع زراعات سليمة، نظيفة، وخالية من الإفراط في استخدام المبيدات، أو من أي تلوّث قد ينعكس سلبًا على صحة المستهلك. ويشدّد على أنّ سلامة الغذاء لم تعد ترفًا أو خيارًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لحماية اللبنانيين، ولإعادة فتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية اللبنانية”.
وفي هذا الإطار، يُشير هاني إلى أنّ “الوزارة تطبّق رقابةً شاملةً ومتكاملةً على الاستيراد، ولا سيما ما يتعلّق باللحوم والحيوانات الحيّة أو المجمّدة، عبر المعابر الحدودية، والمرافئ، والمطارات، مؤكدًا أنّ هذه الرقابة تشمل الفحوص المخبرية والإجراءات الصحية المطلوبة، بما يضمن عدم دخول أي منتجات غير مطابقة للمواصفات أو تشكّل خطرًا على السلامة العامة”.
كما يلفت إلى أنّ “الوزارة شدّدت الإجراءات الرقابية على المحاصيل الزراعية الآتية من الخارج، خصوصًا من سوريا والأردن، حيث تمّ اعتماد فحوصات إضافية للتأكد من خلوّ هذه المنتجات من أي ترسّبات كيميائية أو مواد قد تؤثر في سلامة الغذاء، مشيرًا إلى أنّ حماية المستهلك اللبناني تبدأ من الحدود، ولا يمكن التساهل في هذا الملف تحت أي ظرف”.
وعلى مستوى توثيق العمل وإنجازاته، يكشف وزير الزراعة أنّ “الوزارة قامت خلال الأشهر العشرة الماضية بتلخيص مجمل عملها في عشر أوراق حقائق، تغطي مختلف جوانب التدخّل الزراعي، من التدريب وبناء القدرات، إلى دعم المزارعين، والدعم المالي، وصولًا إلى تطوير التعاونيّات والمنظمات القطاعية، معتبرًا أنّ هذا التوثيق ضروري ليس فقط لتقييم ما تم إنجازه، بل أيضًا لوضع أسسٍ واضحةٍ للمرحلة المقبلة”.
ويُعطي هاني مثالًا على ذلك باللجان المتخصّصة التي تم تفعيلها، ومنها لجنة “العسل والنحل”، التي نجحت في تنظيم هذا القطاع بشكل متكامل، وتطوير القرارات التنظيمية المرتبطة به، بما ينعكس إيجابًا على جودة الإنتاج وحماية المربين. ويؤكد أنّ كل هذه المعطيات والإنجازات ستُدمج ضمن “الخطة الزراعية الوطنية 2026 – 2035، التي يجري العمل على وضعها بصيغتها النهائية، على أن يتم الإعلان عنها قريبًا”.
ويشير إلى أنّ “الوزارة تحرص على أن تكون هذه الخطة نتاج عمل تشاركي، ولذلك عقدت اجتماعًا وطنيًّا تشاوريًّا واسعًا)، بهدف إشراك جميع المعنيين من مزارعين، ونقابات، وتعاونيّات، وخبراء، ومؤسسات، لضمان مشاركة فعلية وحقيقية في رسم مستقبل القطاع الزراعي”.
وفي ما يتعلّق بقطاع الأسماك، يوضح هاني أنّ “الوزارة قطعت شوطًا مهمًّا على المستوى التشريعي، من خلال قانون جديد لتنظيم تربية الأحياء المائية في البحر والأنهار، مؤكدًا أنّ هذا القانون أُقرّ في اللجان النيابية المشتركة، وهو بانتظار أول جلسة تشريعية في مجلس النواب لإقراره نهائيًا”. وبرأيه، “فإنّ هذا القانون يشكّل نقلةً نوعيةً، لأنه يضع إطارًا واضحًا ومستدامًا لهذا القطاع، ويفتح الباب أمام زيادة كبيرة في إنتاج الأسماك”.
ويختم وزير الزراعة بالتأكيد على أنّ “تعزيز إنتاج الأسماك يساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي في لبنان، إذ يشكّل مصدرًا أساسيًا للبروتين إلى جانب اللحوم الحمراء والدواجن، موضحًا أنّ الرهان اليوم هو على سياسات زراعية علمية، منظمة، وتشاركية، قادرة على حماية صحة اللبنانيين، دعم المزارعين، وبناء قطاع زراعي مرنٍ (resilient) قادر على الصمود والنمو في أصعب الظروف”.




