الميكانيزم: يكّرس الهزيمة ولا ينتج سلاماً

السلام المستدام المطلوب لبنانياً ودولياً لا يُبنى على توازن رعب، ولا على المساكنة مع سلاح فئوي مرتبط بأجندات إقليمية. السلام يبدأ عندما تحتكر الدولة وحدها السلاح، وتفرض سيادتها على كامل أراضيها، وتدخل أي مسار تفاوضي من موقع الندّية لا الاستجداء
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
ما يشهده لبنان اليوم لا يمكن توصيفه حرباً، لا بالمعنى العسكري ولا بالمعنى السياسي. فالحرب، في أبسط تعريفاتها، تفترض وجود طرفين متواجهين يمتلكان قرار المواجهة والاستمرار بها. أما الواقع اللبناني الراهن فيكشف مشهداً مختلفاً تماماً: ضربات إسرائيلية متواصلة تستهدف البنية العسكرية لحزب الله، في ظل غياب قرار لبناني جامع بالمواجهة، وغياب قدرة الحزب نفسه على الرد أو توسيع الاشتباك، واقتصار ما تبقّى من المواجهة على إطلالات خطابية وإعلامية قد تؤخر شروع الدولة اللبنانية في فرض شروطها التفاوضية مع إسرائيل، بما يجنّب اللبنانيين المزيد من الويلات وينقلهم من هدنة هشّة إلى سلام مستدام ومطلوب.
هذا الواقع ليس تفصيلاً لغوياً أو توصيفياً، بل يحمل دلالة سياسية واضحة. فقبول حزب الله باتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، أياً تكن التسميات، شكّل إقراراً ضمنياً بفشل خيار المواجهة العسكرية، وعملياً بإنهاء مرحلة الاشتباك المفتوح، والانتقال إلى موقع دفاعي سلبي، أو على الأقل إلى حالة عجز عن الاستمرار. ومنذ ذلك الحين، لم يعد ما يجري صراعاً مفتوحاً، بل مساراً إسرائيلياً منظّماً لفرض شروط نزع السلاح بالقوة، مستفيداً من عجز لا بل تأخّر الدولة اللبنانية عن احتكار قرار الحرب والسلم… وتنظيف لبنان من الجماعات المسلحة.
الأخطر اليوم، أنّ هذا المسار لم يعد محصوراً جنوب نهر الليطاني. فالتوسّع الجغرافي للضربات ينذر بأنّ المناطق الشيعية برمّتها قد تتحوّل إلى ساحة مفتوحة، لا لأن إسرائيل “تبحث عن حرب”، بل لأنّ السلاح الخارج عن الدولة يوفّر لها الذريعة والهدف في آن واحد. هذا الواقع يضع لبنان، بكل مناطقه، في دائرة الاستهداف المحتمل، ويحوّل البيئة الحاضنة للحزب إلى الخاسر الأول. ويصبح الادعاء بأنّ سلاح حزب الله “يحمي” بيئته ادعاءً مناقضاً للوقائع، مع انتفاء دوره الردعي وقدرته على الدفاع عن حامليه، وتحوله إلى عبء قاتل على أبناء الطائفة الشيعيّة وعلى الدولة اللبنانية في آن.
في المقابل، يواصل المجتمع الدولي التعامل مع لبنان بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها. ويواصل حزب الله تقديم الذرائع للداخل والخارج من خلال ربط مصير سلاحه ومصير بيئته السياسية والعسكرية بإيران. وهو أمر يفرض مقاربة مختلفة، تنطلق من معالجة أسباب الصراع لا من الاكتفاء بنتائجه. فقد ثبت بالتجربة أن وقف الأعمال العدائية، من دون معالجة جذور الأزمة منذ الإنسحاب الإسرائيلي سنة 2000، لا يؤدي إلى سلام مستدام، بل يكرّس هدنة هشّة أو استراحة قسرية بين جولتين من العنف.
السلام المستدام المطلوب لبنانياً ودولياً لا يُبنى على توازن رعب، ولا على المساكنة مع سلاح فئوي مرتبط بأجندات إقليمية. السلام يبدأ عندما تحتكر الدولة وحدها السلاح، وتفرض سيادتها على كامل أراضيها، وتدخل أي مسار تفاوضي من موقع الندّية لا الاستجداء. وما يُطرح اليوم من أفكار جرى “إلباسها” لاجتماعات لجنة “الميكانيزم” ليس سوى محاولة لإغراق لبنان في مسار تفاوضي مفروض، يهدد بتكريس انتقاص دائم من سيادته.
من هنا، تكتسب مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ومواقف الحكومة، أهمية خاصة، ولا سيما لجهة التأكيد على ضرورة استعادة سلطة الدولة، وتنظيف الجنوب ولبنان من السلاح غير الشرعي، رغم الصعوبات والاعتراضات. كما يندرج في هذا السياق التأكيد على أن رفض سلاح حزب الله لا يعني الانحياز إلى إسرائيل، كما يحاول البعض تصويره، بل هو في جوهره موقف سيادي يرفض إبقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو ورقة تفاوض في يد إيران.
السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلام الاستسلام عبر جرّ مفاوضين سياسيين إلى لجنة “عسكرية” هدفها الإشراف على تنفيذ تجريد حزب الله من سلاحه، ولا سلام الإكراه، بل إنّ السلام الذي يحتاجه لبنان والمطلوب الشروع به لبنانياً، سلام الدولة القادرة: دولة تفاوض ولا تُستدرج، تبادر ولا تُفرض عليها الوقائع، وتحمي مواطنيها بالقانون والمؤسسات، لا بالشعارات والسلاح الميليشيوي… وحده هذا المسار يمكن أن يضع حداً لدورات العنف المتكررة، وينقل لبنان من منطق “الهدنة الدائمة” إلى الاستقرار الفعلي والسلام المستدام والمطلوب مع محيطه.
مواضيع مماثلة للكاتب:
فرض السلام يمرّ من طهران… رأس الأفعى أوّلًا! | عهد الإصلاح يبدأ ببرلمان لا يراوغ باسم “التغيير” | لبنان في زمن “شرطي العالم”: التسويف انتهى! |




