لبنان: بلد ينهار، مبنى تلو الآخر

ترجمة هنا لبنان 26 كانون الثاني, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

من انهيار إلى آخر، يزداد وضع لبنان سوءًا على أكثر من صعيد. وتمثّل الحادث الأخير في سقوط مبنى سكنيّ في حيّ القبّة، في مدينة طرابلس. وقع الحادث فجر السّبت، وأعاد إلى أذهان اللبنانيّين هواجس قديمة ومستمرّة: الخوف من انهيار مبانٍ أضعفها الزّمن، والإهمال، وغياب الرّقابة، لتسقط في أي لحظة، وتحصد أرواحًا، مذكّرة بوضوح بحجم تفكّك الدولة.
تقرّ بلديّة طرابلس، ومنذ سنوات، بوجود عدد مقلق من المباني المهدّدة بالانهيار، خصوصًا في الأحياء القديمة حيث يعود البناء أحيانًا إلى أكثر من نصف قرن من دون أي ترميم إنشائيّ أساسيّ. وهذه ليست حالة خاصة بطرابلس وحدها، بل هي ظاهرة تشمل مختلف المناطق اللبنانيّة.

عقارات أنهكها الزّمن وغياب الإحصاء
سلّطت بلديّة طرابلس الضّوء، قبل عام 2023، على مئات المباني المعرّضة للانهيار. إنّما، وبعد زلزال شباط 2023، الّذي شعر به لبنان بعد هزّات مدمّرة تعرّضت لها تركيا وسوريا، أعلن مسؤولون في البلديّة إنّ مبانٍ يتراوح عددها بين 700 و1000، تحتاج إلى تقييم، أو إلى تدخّل عاجل. وقد أكّدت منظّمة العفو الدوليّة هذه الصّورة، مشيرة إلى آلاف الأشخاص الّذين يعيشون في مساكن خطرة ضمن المدينة، غالبًا لا يملكون أي بدائل سكنيّة صالحة.
ورغم تغيّر التّقديرات بين المصادر والمنهجيّات، إلا أنّها تؤدّي إلى خلاصة واحدة: ليس الخطر هامشيًّا ولا ظرفيًّا، بل يتجاوز طرابلس ليشمل البلاد بأكملها. إذ لم يُنجَز على المستوى الوطنيّ أي إحصاء شامل، ومركزيّ حتّى الآن، وما هو متوافر لا يتعدّى بيانات مجتزأة صادرة عن مبادرات محليّة، أو نقابات مهنيّة، أو منظّمات غير حكوميّة.
وتشير دراسات جامعيّة ومهنيّة متعدّدة إلى حالة آلاف المباني في لبنان الّتي تعاني هشاشة إنشائيّة خطيرة، خصوصًا تلك المبنيّة قبل اعتماد معايير مقاومة الزلازل عام 2005.
أمّا في بيروت الكبرى، حيث تصل الكثافة السكانيّة إلى مستوى يُعتبر من الأعلى في حوض المتوسّط، فتتفاقم المشكلة بسبب قدم الأبنية، والإضافات العشوائيّة، والأضرار الواضحة دائمًا منذ انفجار الرّابع من آب 2020. وبعد مرور نحو ستّ سنوات على الكارثة، لم تخضع المباني المتضرّرة سوى لإصلاحات بسيطة، من دون أي تعزيز إنشائيّ فعليّ.
يكشف غياب بيانات موحّدة، بحدّ ذاته، عن خلل بنيويّ عميق. ففي لبنان، تعتمد سلامة المباني أكثر فأكثر على إنذارات متفرّقة بدل أن تستند إلى سياسة عامة متماسكة.

قوانين، ومعايير بلا متابعة فعليّة
من النّاحية القانونيّة، الإطار موجود. إذ تعود التّشريعات الخاصة بالتّنظيم المدنيّ والبناء، بمعظمها، إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ويُشترط الحصول على رخص البناء بموافقة البلديّات، والجهات المختصّة، استنادًا إلى مخطّطات يضعها مهندسون معتمَدون. ومنذ منتصف العقد الأوّل من الألفيّة، فرضت مراسيم معايير أمان تشمل مقاومة الزلازل، والوقاية من الحرائق، وتجهيزات تقنيّة مثل المصاعد.
وبما أنّ لبنان يقع على خط صدوع نشطة، فالأبنية الحديثة ملزمة نظريًّا باعتماد معايير مقاومة الزلازل المستوحاة من المعايير الدوليّة. وتهدف هذه المعايير إلى الحدّ من انهيار المباني الكليّ عند وقوع هزّة قويّة، وتمكين السكّان من الإخلاء. والنّظام واضح على الورق.
يبقى تطبيق هذه المعايير، في الواقع، غير متكافئ. ويؤكّد مهندسو الهندسة المدنيّة إنّ اعتماد معايير مقاومة الزلازل حديث نسبيًّا، وإنّ فعاليّتها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الدّراسات الجيوتقنيّة، ومدى الالتزام بالمخطّطات، ومتابعة تنفيذ المشاريع. غير أنّه، وفي بلد محدود القدرات الإداريّة، ترتكز هذه المراقبة غالبًا على مرحلة المشروع الأولى. وما إن يُمنح التّرخيص ويُنجز البناء، حتّى يتوقّف أي شكل من أشكال المتابعة.
وعلى خلاف ما هو معمول به في كثير من الدول، لا يمتلك لبنان نظامًا وطنيًّا يفرض عمليّات تفتيش دوريّة إلزاميّة على المباني السكنيّة. ويفتقد إلى آلية مؤسسّية تتيح التحقّق، على فترات منتظمة، من سلامة الهياكل الحاملة، أو من تطوّر التشقّقات، أو من هبوط الأساسات، أو من أثر الرّطوبة والتآكل على المواد. ومع مرور الوقت، قد تتحوّل مبانٍ كانت مطابقة في الأصل إلى خطرة، من دون أن يثير ذلك أي إنذار رسميّ.

مسؤوليات مخفّفة ودولة متراجعة
تتداخل مسألة المسؤوليّات لتزيد المشهد تعقيدًا. إذ تضع الدولة المعايير، وتحدّد الأطر التنظيميّة، لكنّها تفتقر إلى الوسائل اللّازمة لتطبيقها. أمّا البلديّات، فتجد نفسها في الواجهة عند منح التّراخيص ومتابعة الشّؤون المحليّة، لكنّها نادرًا ما تمتلك فِرَقًا تقنيّة كافية لتفقّد آلاف المباني القديمة، كما أنّها لا تحظى بالميزانيّة الضروريّة لإجراء عمليّات تفتيش ميدانيّة.
أمّا بالنّسبة إلى المالكين، فيتحمّلون قانونيًّا مسؤوليّة صيانة مبانيهم، لكنّهم يصطدمون بواقع اقتصاديّ قاسٍ. فمنذ الأزمة الماليّة عام 2019، انهارت قيمة المداخيل، وارتفعت أسعار المواد بشكل هائل، وأصبح الحصول على القروض شبه مستحيل. وباتت أعمال التّدعيم الانشائيّ خارج قدرة الكثير من الأسر، حتّى في حالات الخطر المحتّم.
وتزيد هذه الثّغرات البنيويّة من تفاقم الوضع، فالزّلازل الإقليميّة أضافت إلى هشاشة قائمة أصلًا، وانفجار مرفأ بيروت تسبّب بتضرّر مبانٍ، يبقى البعض منها غير مرمّم كما يلزم حتّى اليوم. كما تؤدّي العواصف، والأحوال الجويّة القاسية والمتكرّرة، إلى تدهور الهياكل القديمة، فيما يحوّل غياب الصّيانة التشقّقات البسيطة إلى تهديدات فعليّة.
دقّت المنظّمات الدوليّة ناقوس الخطر منذ سنوات بشأن مدينة طرابلس، حيث يعيش آلاف الأشخاص في مساكن مصنّفة خطرة، غالبًا مع انتفاء أي حلول بديلة للسّكن. وهي تشير إلى ظلم مزدوج، يشمل التعرّض للمخاطر والإهمال المؤسسيّ. فعندما يُصنّف مبنى كمعرّض للسّقوط، تنعدم البدائل تقريبًا. وغالبًا ما تُجرى عمليّات الإخلاء من دون أي دعم مستدام، تاركة العائلات أمام خيار مستحيل: إمّا الرّحيل بلا موارد، أو البقاء رغم الخطر.
يشكّل انهيار مبنى القبّة إذًا مؤشّرًا صارخًا جديدًا. فهو يسلّط الضّوء على نظام يضمّ معايير، لكنّها غير مطبّقة بشكل منهجيّ. بلد تُمنح فيه التّراخيص من دون متابعة طويلة الأمد، وتُترك فيه صيانة الأبنية لسياسة عامة غير منظّمة. ومن دون إحصاء وطنيّ، ومن دون عمليّات تفتيش دوريّة إلزاميّة، ومن دون آليّة دعم للمالكين، سوف يتقدّم لبنان دومًا في الظّلام، على وقع التشقّقات الّتي تتّسع يومًا بعد يوم.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us