طلبيات وهمية وسرقة منظمة: كيف تستهدف عصابات “الدليفيري” نواطير بيروت؟


خاص 27 كانون الثاني, 2026

في مدينة ترزح أصلًا تحت وطأة أزمات معيشية خانقة، تتحوّل العمليات الاحتيالية إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدّمها نواطير البنايات، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عصابات تستغل الثقة والحاجة في آنٍ واحد

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

تشهد بعض أحياء بيروت في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتّخذ طابعاً احتيالياً منظّماً، حيث تنشط عصابة تنتحل صفة عمّال توصيل، مستهدفةً نواطير البنايات بشكل مباشر، في أسلوب جديد يثير مخاوف جدّية تتعلّق بالأمن اليومي والسلامة الاجتماعية.
ووفق معلومات حصل عليها “هنا لبنان”، يعمد أفراد هذه العصابة إلى دخول الأحياء السكنية مرتدين ملابس تشبه ملابس عمّال التوصيل، مستفيدين من الاعتياد اليومي للسكان على هذا المشهد. بعدها، يتوجّهون مباشرة إلى ناطور المبنى، مدّعين أنّ أحد القاطنين لديه طلبية، ويسألونه عمّا إذا كان يستطيع استلامها نيابةً عن صاحبها وتسليمها له لاحقًا. هذا الأسلوب، الذي يبدو للوهلة الأولى عادياً، يتحوّل إلى فخّ مُحكم حين يُطلب من الناطور دفع قيمة الطلبية مسبقاً. وبحسن نيّة، يقع عدد من النواطير ضحية هذا الاحتيال، فيقومون باستلام الطلبية ودفع المبلغ المطلوب، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنّ الجار المعني لم يطلب أي شيء أساساً، وأنّ محتوى الطلبية لا يمتّ بصلة إلى قيمتها المادية المدفوعة.
وفي هذا السياق، يروي أحد نواطير منطقة رأس النبع لموقع “هنا لبنان” ما تعرّض له، مشيراً إلى أنّ شخصاً قدّم نفسه على أنّه عامل توصيل سأله عن أحد سكان البناية بالاسم، وأبلغه بوجود طلبية عائدة له. وأضاف أنّ العامل طلب منه استلامها مقابل مبلغ قدره 42 دولاراً، حيث دفع المبلغ دون تردّد. غير أنّ المفاجأة كانت حين تواصل لاحقاً الناطور مع الشخص المقصود، ليتبيّن أنّه لم يطلب أي غرض. وعند فتح العلبة، وُجد بداخلها عقد “فوبيجو” لا يساوي سوى مبلغ زهيد، ما كشف بوضوح عملية الاحتيال التي تعرّض لها. ويعبّر الناطور بأسف عن شعوره بالخذلان، مؤكداً أنّ العصابة استغلّت الثقة وقلة الخبرة، ولم يكن هدفها سوى السرقة.
الحادثة نفسها تكرّرت مع ناطور آخر في منطقة البربير، حيث سلّمه عامل توصيل مزعوم طلبية باسم أحد السكان مقابل مبلغ 38 دولاراً. وبعد التحقّق من الأمر، تبيّن أنّ الجار لم يطلب أي شيء، وأن محتوى الطلبية لم يكن سوى كوب زجاجي عادي لا تتجاوز قيمته بضعة دولارات، ما يؤكّد اعتماد العصابة الأسلوب ذاته في أكثر من منطقة.
ومع تفاقم هذه الظاهرة، أبدت مصادر أمنية اهتمامها بالموضوع، مؤكدة على خطورة الأسلوب الذي تتبعه العصابات، معتبرة أنّها تمثل تهديداً ليس فقط للمال، بل للأمن العام. وبهذا الصدد، يقول مصدر أمني لموقع هنا لبنان: “هذه العصابات تعمل بطريقة منظمة للغاية، وتستغل ثقة النواطير والسكان، مستعينة بزيّ العمال ومعلومات مسبقة عن الأسماء والمواقع. وقد سمعنا تكرار الحالات نفسها في مناطق متعددة؛ لذا نطلب من نواطير الأبنية الذين وقعوا بفخ هذه العصابات أن يتقدّموا بشكاوى لدى القوى الأمنية، كي تتمكّن من تتبع الأشخاص المتورطين والطرق التي يستخدمونها في الاحتيال، كما نصح المصدر النواطير بعدم تسليم أي مبلغ قبل التأكد من الجيران بأنّ الطلبيات لهم”.
ولا تكمن خطورة هذه الظاهرة في الخسائر المادية التي يتكبّدها النواطير فحسب، بل في الطابع المنظّم لعمليات الاحتيال، وفي سعي أفراد العصابة إلى جمع معلومات عن السكان وأسمائهم، الأمر الذي يثير مخاوف من إمكان استخدام هذه المعطيات في أعمال جرمية أخرى، ولا سيّما في ظل ضعف الرقابة وغياب المتابعة الجدية.
أمام هذا الواقع، يحذّر متابعون من الاستهانة بهذه الأساليب، معتبرين أنّ انتحال صفة عمّال التوصيل قد يشكّل مدخلاً لجرائم أخطر، ويدعون إلى ضرورة توخي الحذر وعدم استلام أي طلبية من دون التأكّد المباشر من صاحبها، إضافة إلى السؤال عن شركة التوصيل المعنية عند الشك بغية الاتصال بها، وإبلاغ القوى الأمنية فور تكرار مثل هذه الحوادث.
وفي مدينة ترزح أصلًا تحت وطأة أزمات معيشية خانقة، تتحوّل هذه العمليات الاحتيالية إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدّمها نواطير البنايات، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عصابات تستغل الثقة والحاجة في آن واحد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us