قرار يقلب معادلة الإيجارات غير السكنية ويُعيد الاعتبار لحقوق المالكين


خاص 28 كانون الثاني, 2026

القرار الصادر ليس إجراءً إداريًّا تقنيًّا فحسب، بل هو حلقة أساسيّة في تنفيذ قانون حديث يستهدف إعادة التوازن إلى سوق الإيجارات غير السكنيّة في لبنان بعد عقود من الجمود. فمن خلال الإعفاءات المحدّدة وآليّات التطبيق الواضحة، يستعيد المالكون جزءًا من حقوقهم الضائعة، وتتحوّل علاقة الإيجار القديمة تدريجيًا إلى علاقة قانونيّة منظّمة تتماشى مع متطلّبات السوق الحديثة وروحها


كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في خطوةٍ طال انتظارها لمعالجة واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في التشريع العقاري اللبناني، صدر قرار تنظيمي جديد يحدّد آليّات تطبيق المادة 14 من قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية رقم 11 الصادر في 5 حزيران 2025. ويأتي هذا القرار الحكومي في سياق استكمال الإطار التنفيذي للقانون، وسط اهتمام واسع من المالكين والمستأجرين على حدّ سواء، لما يحمله من تداعيات مباشرة على العلاقة القانونية بين الطرفين بعد عقود طويلة من الالتباس والفراغ التشريعي وعدم التوازن.
ويهدف القرار بشكل أساسي إلى توضيح سبل تطبيق الإعفاءات التي أقرّها القانون، ولا سيّما تلك المتعلّقة برسم الانتقال وضريبة الأملاك المبنيّة الخاصة بالأبنية المؤجّرة للأغراض غير السكنيّة. ووفقاً لمندرجاته، تُستثنى الأبنية المؤجّرة بموجب عقود إيجار سكنية أو غير سكنية أصلية انتهت مدّتها قبل 23 تموز 1992 واستمرّ إشغالها حتى تاريخ الوفاة، من عناصر التركة الخاضعة لاحتساب رسم الانتقال عند الوفاة، وذلك بالنسبة للوفيات الحاصلة بين 12/6/2015 و31/12/2026. كما أوجب القرار على الورثة إرفاق سند الإيجار المسجّل وإفادة إشغال عند تقديم التصريحات اللازمة إلى دائرة رسم الانتقال.

وفي السياق الضريبي، أتاح القرار لمالك العقار أو لخلفه القانوني التقدّم بطلب إعفاء من الضريبة المتوجّبة وغير المسدّدة عن الفترة الممتدّة من 12/6/2015 وحتى نهاية عام 2024، شرط استكمال المستندات المطلوبة. أما بالنسبة لسنتَي 2025 و2026، فقد حدّد القرار مهلة تقديم الطلب خلال الشهر الأول من السنة التي تلي كلّ سنة ضريبية. واستكمالًا للإجراءات التنظيمية، أضاف القرار خانة خاصّة ضمن النظام الإلكتروني لضريبة الأملاك المبنيّة لتسجيل العقارات المشمولة بالإعفاء وتثبيت قيمتها المعتمدة من دائرة رسم الانتقال، بما يساهم في توحيد المعايير الإدارية والضريبية.

وفي قراءةٍ لآثار هذا القرار على المالكين، اعتبر رئيس نقابة المالكين باتريك رزق الله لـ”هنا لبنان” أنّه يشكّل خطوة نوعيّة في تعزيز حقوق الملكيّة وتخفيف الأعباء الماليّة عن المالكين القدامى بعد سنوات طويلة من الظلم والإجحاف. وأوضح أنّ القرار يندرج ضمن المسار الذي رسمه قانون الإيجارات الجديد لمعالجة مسألة امتداد عقود الإيجار القديمة التي بقيت مجمّدة لعقود، وأدّت إلى اختلال واضح في التوازن بين المالك والمستأجر.

وأشار رزق الله إلى أنّ الإعفاءات التي نصّ عليها القرار تُترجم عمليًا بتخفيف العبء الضريبي عن المالكين أو ورثتهم في حالات الوفاة، من خلال عدم إعادة إدراج الأبنية المؤجّرة ضمن التركة الخاضعة لرسم الانتقال، فضلًا عن تخفيض الضريبة المتراكمة حتى عام 2024. ولفت إلى أنّ هذه التدابير لا تخدم المالكين فحسب، بل تسهّل أيضًا عمل الإدارات الضريبية والقضاء، عبر اعتماد معيار موحّد للمستندات وآلية واضحة للتعامل مع هذه الملفات.

وفي بعدٍ أبعد من الأثر المالي المباشر، شدّد رزق الله على أنّ الإعفاءات الضريبية والرسميّة ستشكّل حافزاً إضافياً للمالكين للمضيّ في تسويات قانونيّة مع المستأجرين، وصياغة عقود إيجار حديثة تتلاءم مع أحكام القانون الجديد، بدل الاستمرار في حالة الجمود القانوني التي طبعت عقود الإيجار القديمة لأكثر من أربعين عامًا. واعتبر أنّ هذا التحوّل من شأنه أن يفتح الباب أمام التحرير النهائي لعقود الإيجار القديمة بطريقة قانونيّة واضحة ومُنظّمة.
وبحسب رزق الله، فإنّ تلازم القانون مع القرار التنفيذي يساهم في استعادة الحرية في تحديد بدلات الإيجار وفقًا لقيمة السوق الحقيقيّة، ما يؤدّي إلى زيادة تسجيل الملكيّات بشكل رسمي، وينعكس إيجابًا على حركة السوق العقاريّة غير السكنيّة. كما أنّه يشجّع المالكين القدامى على إعادة دخول السوق وتحديث عقودهم، ولا سيّما في ظلّ تراجع الاستثمار الناتج عن القوانين القديمة التي قيّدت حرية التصرّف بالملكيّة وهدّدت العائد الاستثماري للمالكين.
في الخلاصة، لا يُمكن النظر إلى القرار على أنه إجراء إداري تقني فحسب، بل هو حلقة أساسيّة في تنفيذ قانون حديث يستهدف إعادة التوازن إلى سوق الإيجارات غير السكنيّة في لبنان بعد عقود من الجمود. فمن خلال الإعفاءات المحدّدة وآليّات التطبيق الواضحة، يستعيد المالكون جزءًا من حقوقهم الضائعة، وتتحوّل علاقة الإيجار القديمة تدريجيًا إلى علاقة قانونيّة منظّمة تتماشى مع متطلّبات السوق الحديثة وروحها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us