نعيم قاسم: صدِّقوه!

كيف يُمكن لمشروعٍ عقائديٍّ عابر للحدود، يقوم في جوهره على مفهوم “الوليّ الفقيه”، أن يتحوّل فجأةً إلى حزبٍ وطنيٍّ تقليديّ، يؤمن بالدولة وحدودها ودستورها ومؤسّساتها؟ هذا ليس ممكناً. ولم يكن يوماً وارداً في أدبيّات “الحزب” أو سلوكه العميق. نعيم قاسم لم يقل سوى ما هو منسجم مع نفسه، ومع تاريخه، ومع المشروع الذي ينتمي إليه
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
ما قاله الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ليس كذبة، ولا زلّة لسان، ولا مناورة تكتيكية في لحظة ضغط سياسي. ما قاله هو الحقيقة العارية، حقيقة المشروع كما هو، لا كما أُريد للّبنانيين أن يروه طوال سنوات. حقيقة حزب الله منذ التأسيس، إلى ما شاء الله من المراحل والتحوّلات الشكلية.
السؤال البديهي الذي يجب أن يُطرح بوضوح ومن دون مواربة: كيف يُمكن لتنظيم جهادي شيعي، تأسّس على مبادئ أيديولوجية نابعة مباشرة من الثورة الإسلامية في إيران، أن يُعلي الشعور الوطني على الولاء الديني؟ كيف يُمكن لمشروع عقائدي عابر للحدود، يقوم في جوهره على مفهوم “الولي الفقيه”، أن يتحوّل فجأة إلى حزب وطني تقليدي، يؤمن بالدولة وحدودها ودستورها ومؤسّساتها؟
هذا ليس ممكناً. ولم يكن يوماً وارداً في أدبيات الحزب أو سلوكه العميق. نعيم قاسم لم يقل سوى ما هو منسجم مع نفسه، ومع تاريخه، ومع المشروع الذي ينتمي إليه. مشروع واضح، صلب، لم يتبدّل، بل اضطرّ فقط إلى التلوّن وفق المراحل والظروف والضغوط، من دون أن يمسّ جوهره العقائدي.
تكفي العودة إلى تسجيلات السيد حسن نصرالله في شبابه، حين كان يتحدّث بصراحة كاملة عن طاعة الولي الفقيه، لفهم حقيقة هذا المسار. تلك ليست مرحلة عابرة، ولا حماسة شبابية، بل الأساس النظري الذي قام عليه الحزب، والذي لم يتخلَّ عنه يوماً، مهما تغيّرت الخطابات وتبدّلت اللهجات.
في صلب عقيدة حزب الله، الدفاع عن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. وفي صلب هذه العقيدة أيضاً، أن يكون أميناً لما أُنشئ من أجله: ذراع عسكرية – أيديولوجية في مشروع إقليمي، لا حزباً لبنانياً بالمعنى السياسي الكلاسيكي. السيد نصرالله كان بارعاً في تسويق هذا المشروع، وفي تغليفه بالمساحيق الوطنية، وفي استخدام خطاب مزدوج يُخاطب الداخل بلغة، والخارج بلغة أخرى. ونجح في ذلك طويلاً.
لكن هذا الخطاب لم يكن لينطلي إلّا على من أراد أن يصدّق، أو على من وجد في فائض القوة فرصةً للاحتماء، أو لتحقيق مكاسب ظرفية. اليوم، جاء نعيم قاسم ليقول الأمور كما هي، بلا تجميل ولا أقنعة.
تحدّثونه عن دستور، وعن وطن بحدود مرسومة، وعن دولة طبيعية، فيما هو ينظر إلى هذه المفاهيم بوصفها تفاصيل ثانوية، أو “سخافات” لا مكان لها في مشروعه العقائدي. لذلك، نعم، صدّقوه! ما قاله هو حقيقة حزب الله. لا أكثر ولا أقل.
مواضيع مماثلة للكاتب:
هيكل إلى واشنطن: الجيش يتجاوز الألغام | لبنان بين “عمى الدولة” و”جراحة إسرائيل” القيصرية! | إيران تقترب من السقوط السوفييتي! |




