العد العكسي لنهاية النظام الإيراني!

ترجمة هنا لبنان 28 كانون الثاني, 2026

كتب Ali A. Hamadé لـ”Ici Beyrouth“:

حالة غليان غير مسبوقة تعيشها الساحة السياسية الإيرانية منذ مطلع عام 2026: الاضطرابات الواسعة التي اندلعت شملت نحو مئتي مدينة في مختلف أنحاء البلاد، وقوبلت بحملة قمع دموية بقيادة نظام الملالي. وكلّ ذلك بالتوازي مع مناخ دولي شديد التوتر، وتهديدات أميركية صريحة بتوجيه ضربات في سياق نهج الرئيس دونالد ترامب التدخّلي المتصاعد. حيث قدم ترامب نفسه بصفته المدافع عن “الشعب الإيراني المقهور” وتحت شعار إعادة العظمة لإيران، أعاد إحياء التكهنات حول احتمال تنفيذ عمل عسكري واسع النطاق ضد إيران. وعلى الرغم من تراجع واشنطن في وقت لاحق عن خيار التدخل ولو بصورة مؤقتة، لا يزال الغموض يخيّم على المشهد، ممّا يبقي خيار الضربات العسكرية مطروحًا في أي لحظة.

موازين القوى الداخلية في إيران شهدت تحوّلًا عميقًا… وهذا ما يتّضح جليًّا في أعقاب الموجة الاحتجاجية العارمة التي أغرقت الشارع الإيراني في حمّام دم حقيقي. وكشفت التظاهرات غير المسبوقة عن هشاشة أسس النظام، لدرجةٍ استدعت استخدام درجة رهيبة من القمع من أجل البقاء. ووفقًا للسلطات الإيرانية، تجاوز عدد القتلى 3.700 شخص، بينما قدّرت الأمم المتحدة الحصيلة بنحو 20 ألف قتيل. كما جرى اعتقال آلاف المتظاهرين، وصدرت بحق نحو 800 منهم أحكام بالإعدام شنقًا. هذه التطوّرات أدخلت البلاد في حالة استثنائية من التوتّر وعدم اليقين، ودفعت للمرة الأولى، عددًا من الخبراء لطرح فرضيّة السقوط الوشيك للنظام. حتّى أنّ البعض ذهب للتنبّؤ بانهياره عقب هذه الجولة الاحتجاجية. ولو أنّ هذا السيناريو لم يتحقّق على المدى القريب، لا يزال احتمال تحققه قائمًا، على الأقل على المدى المتوسط والبعيد.

وفي المقلب الآخر، يُبدي بعض المراقبين قدرًا أكبر من التحفّظ إزاء سيناريو السقوط الوشيك. ويعتبر هؤلاء أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك مقوّمات تفوق ما يظهر إلى العلن، ويستند إلى ثلاث ركائز رئيسية: أوّلها جهاز أمني شديد القوة، تتصدره قوات الحرس الثوري، العمود الفقري للنظام وأداة حمايته الأساسية. ومن ثمّ، قاعدة إيديولوجية راسخة، تقوم على مؤسسة دينية واسعة تضم رجال دين وشبكةً كثيفةً من المؤسّسات الدينية، مكلّفة بنشر الشريعة الإسلامية الشيعية وإضفاء الشرعية على السلطة القائمة. أمّا الركيزة الثالثة فتتمثّل في الهيمنة الاقتصادية والمالية، حيث يسيطر النظام على معظم مفاصل الاقتصاد، ويُنظّم من خلالها منظومة من الامتيازات والخدمات والريع، وهذا ما أفرز شكلًا من أشكال الرأسمالية الزبائنية. هذا التداخل بين الأمن والدين والاقتصاد يخلق قاعدةً اجتماعيةً تعتمد في مواردها واستقرارها على استمرار النظام، الأمر الذي يُعقّد أي تغيير جذري. وعلى النّقيض، يرى أنصار فرضية السقوط الوشيك أنّ هذه الآليات ما عادت قادرة على كبح الدينامية الاحتجاجية، وأنّ التظاهرات الأخيرة، بما اتسمت به من مشاركة وعنف وطابع غير مسبوق، فتحت الأفق أمام تحول سياسي محتمل.

وعلى الرغم من الاضطرابات الداخلية التي عرفها النظام في السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، لا يعدّ الحراك الاحتجاجي في إيران ظاهرةً مستحدثةً. فهو يندرج ضمن مسار طويل الأمد بدأ منذ عام 2009 مع الحركة الخضراء، التي شكّلت أول تحدٍ جماهيري واسع لشرعية النظام. ويعكس هذا التراكم الاحتجاجي الصعوبات البنيوية أمام أيّ محاولة لزعزعة سلطة الملالي التي رسّخت أسسها المؤسّسية والإيديولوجية والأمنية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

وفي هذا السياق، يمكن رسم مقاربتَيْن تاريخيتَيْن: تجربة الاتحاد السوفياتي أولًا… ويكمن التشابه في إفراط النظامَيْن في العسكرة، والسعي للظهور كقوى استراتيجية كبرى. ومع ذلك، تعاني بُنيتهما الداخلية من تآكل مزمن بفعل الإفقار المستمر للسكان، وعجز نماذجهما الاقتصادية، التي أثبتت مرارًا عدم قابليتها للاستمرار على المدى الطويل. أمّا المقاربة الثانية، وهي الأعمق دلالةً، فتتمثّل في سقوط الإمبراطورية القيصرية الروسية. فقبيل الثورة البلشفية في تشرين الأول 1917 وصعود لينين إلى السلطة، شهدت روسيا القيصرية زهاء عقدَيْن من الاضطرابات المتكرّرة، تخللتها محطتان ثوريتان بارزتان. الأولى عام 1905، عقب أحداث ما عرف بـ”الأحد الدامي”، التي أجبرت القيصر نيقولا الثاني على تقديم تنازلات جوهرية، منها التعهّد بإقرار دستور عبر بيان تشرين الأول. غير أن هذا لم يؤدِّ إلى انهيار فوري للنظام، إذ لم يسقط الحكم القيصري إلّا بعد اثني عشر عامًا، تحت وطأة الإرهاق الاجتماعي العميق ودمار الحرب العالمية الأولى. وتُظهر التجربة الروسية أنّ انهيار الأنظمة السلطوية الراسخة نادرًا ما يكون نتيجة صدمة واحدة، بل هو نتاج مسار طويل وتراكمي من الاختلالات والأزمات العميقة، وهو مسار محفوف بالمخاطر وعدم اليقين، يبدو أن إيران تواجهه اليوم بدورها.

أمّا العامل الحاسم الأخير في معادلة بقاء النظام الإيراني أو سقوطه فهو موقف الولايات المتحدة. وتزداد أهمية هذا العامل في ظلّ الإدارة الحالية، حيث تتّسم رئاسة ترامب بدرجة عالية من عدم القابلية للتنبّؤ. واستحالت هذه النقطة للمفارقة، سمةً ثابتةً في نهجه السياسي. وفي حال واصل الرئيس الأميركي سياسته التدخلية، سيبقى خطر توجيه ضربات واسعة النطاق ضد إيران قائمًا، بما قد يُفضي لتسريع إضعاف النظام وربما انهياره على المدى البعيد. أمّا إذا التزم، على نحو أوضح، بتعهداته الانتخابية بعدم التدخّل (وهي تعهدات تحظى بدعم واسع داخل القاعدة الجمهورية، لا سيما مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية)، قد تتعزّز فرص استمرار النظام الإيراني، من دون أن يشكّل ذلك بأي حال ضمانةً لاستقرار مستدام.

النظام الإيراني أظهر بشكل واضح مؤشرات ملموسة إلى تآكل قدرته، لا سيما بعد رضوخه للإنذار الأميركي القاضي بتعليق تنفيذ أحكام الإعدام بحق نحو 800 مدان. وبينما يؤكد ترامب استعداد طهران للتفاوض، يأتي هذا الاستعداد في سياق استراتيجي مختلف جذريًا، يتمثّل في حالة تطويق عسكري غير مسبوقة تشهدها المنطقة. وشمل هذا التطويق إعادة نشر المجموعة القتالية لحاملة الطائرات “USS Abraham Lincoln” من بحر الصين إلى بحر العرب، ونقل عشرات طائرات التزويد بالوقود والطائرات القتالية، من بينها أربع وعشرون طائرة “F-15” من الجيل الأحدث والمتخصّصة في ضرب المنشآت المحصّنة، فضلًا عن نشر منظومات دفاع صاروخي متقدمة مثل “THAAD” و”Patriot” و”Aegis”، جزئيًا على متن قطع بحرية. هذه التحرّكات أفضت لإقامة ما يشبه جسرًا جويًا عسكريًا يغطي كامل الأراضي الإيرانية. يضاف إلى ذلك الدعم الثابت من تل أبيب، ما يضع إيران تحت ضغط استراتيجي دائم، ويضع النظام نفسه أمام تهديد وجودي مستمر. وتعكس هذه المعطيات مجتمعة تحوّلًا واضحًا في المقاربة الأميركية… تحول يتسم بدرجة عالية من الإكراه والضغط، ويمثل قطيعة مع النهج الذي طبع إدارة بايدن، التي ركنت لمسارات تفاوضية طويلة أثبتت محدوديّة جدواها.

وعلى الرّغم من استحالة الجزم بقرب سقوط النظام الإيراني، الأكيد أنّ ميزان القوة في طهران لم يعرف هذا القدر من الهشاشة والانكشاف أمام عواصف الداخل وضغوط الخارج منذ عام 1979. فالتصدّعات التي باتت تضرب بنية النظام لا تخفى على أحد والمؤشرات المتراكمة توحي بأنّ ما يجري اليوم قد يمهّد لتحوّل تاريخي أكبر. وبين لحظة الانفجار المؤجّل وسيناريو الانهيار التدريجي، يبدو أن العدّ التنازلي بدأ بالفعل، والسؤال المطروح لم يعد يتمحور حول احتمال سقوط النظام بل حول توقيت سقوطه سواء على المدى القريب أو البعيد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us