الذهب عند قمم تاريخية… لماذا يستمرّ بالارتفاع؟!

على الرغم من موجة الإقبال الواسعة على الذهب، لا يمكن لأي جهة أن تحدّد موعد انتهاء دورة الارتفاع الحالية أو بداية مرحلة التراجع، وأي تصحيح مقبل قد يكون أسرع من المعتاد، وربّما أعمق مما هو متوقّع.
كتبت بشرى الوجه لـ”هنا لبنان”:
سجّل الذهب قفزةً تاريخيةً بتجاوزه مستوى 5300 دولار للمرة الأولى، في ظلّ تصاعد الطلب عليه عالميًّا، وسط مناخ دولي مثقل بالأزمات وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، رأى الخبير الاقتصادي نديم السبع أنّ العالم يمرّ اليوم بسلسلة أزمات متداخلة تساهم في الارتفاع الحادّ بأسعار المعادن، وعلى رأسها الذهب والفضّة، مشيرًا إلى أنّ التوتّرات الجيوسياسية وضعف الدولار الأميركي يشكّلان عاملَيْن أساسيَيْن في هذا الاتجاه.
وأوضح السبع، في حديث لـ”هنا لبنان”، أنّ التوتّرات بين أوروبا والولايات المتحدة، على خلفيّة ملفات مثل غرينلاند والرسوم الجمركية، تضاف إلى ارتفاع الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد والمؤسسات، ما يعزّز المسار الصاعد لأسعار المعادن.
وأشار إلى أنّ الارتفاعات الحالية تتغذّى أيضًا من دخول المستثمرين الأفراد بقوّة إلى الأسواق، ما يجعل الزيادات أكثر حدّة، لافتًا إلى وجود زخم شرائي قوي تقوده البنوك المركزية، وعلى رأسها البنك المركزي الصيني، إلى جانب عدد كبير من البنوك المركزية حول العالم.
وعن إمكانيّة استمرار هذا الزخم، اعتبر السبع أنّ ذلك مرتبط بانفراج أحد الملفّات الكبرى العالقة، موضحًا أنّ العالم لا يزال يعيش حالة عدم يقين، سواء لجهة احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أو إمكانيّة غزو صيني لتايوان، إضافةً إلى استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية.
وختم السبع بالقول إنّه في ظل غياب أي مشهد تهدئة حقيقي على المستوى الدولي، يبقى من الصعب ضبط الأسعار، مرجّحًا استمرار ارتفاع أسعار الذهب والفضّة وسائر المعادن طالما أنّ هذه العوامل لا تزال قائمة.
أي تراجع مقبل قد يكون أسرع!
بدوره، أوضح الكاتب والخبير الاقتصادي أنطوان فرح أنّ أسعار الذهب عالميًا تمرّ بدورات ارتفاع ودورات هبوط، تمتدّ عادةً بين خمس وعشر سنوات، مشيرًا إلى أنّ دورة الارتفاع الحالية بدأت عام 2019، بعد مرحلة تراجع سابقة، ولا تزال مستمرّةً حتى اليوم.
وقال فرح، في حديث لـ”هنا لبنان”، إنّه على الرغم من استمرار الصعود منذ عام 2019، لوحظ خلال السنة الأخيرة تسارع ملحوظ في وتيرة الارتفاع، وهو ما يرتبط بعدة عوامل أساسية، أبرزها التوتّرات والصراعات العالمية التي أعادت تكريس الذهب كملاذٍ آمن.
ولفت إلى أنّ هذه الظروف دفعت عددًا من المصارف المركزية حول العالم إلى التخلّي عن جزء من احتياطيّاتها من الدولار، واستبدالها بشراء الذهب وتكوين احتياطيّات ذهبية، ما ساهم بشكل مباشر في رفع الأسعار.
وأضاف فرح أنّ العامل الجديد والأبرز في المرحلة الأخيرة يتمثل في انجذاب المستثمرين إلى الذهب نتيجة ارتفاع أرباحه، ما أدّى إلى توسّع قاعدة الطلب لتشمل المستثمرين الأفراد وعامة الناس، وكلّ من يملك مدّخرات ويسعى إلى الحفاظ على قيمتها أو تحقيق أرباح منها.
وختم فرح بالتأكيد أنّه على الرغم من موجة الإقبال الواسعة على الذهب، لا يمكن لأي جهة أن تحدّد موعد انتهاء دورة الارتفاع الحالية أو بداية مرحلة التراجع، لافتًا إلى أنّ أي تصحيح مقبل قد يكون أسرع من المعتاد، وربّما أعمق مما هو متوقّع، نظرًا إلى الارتفاعات الحادّة والنسب المرتفعة التي سجّلها الذهب خلال هذه الدورة.




