إيران تترقّب…

ترجمة “هنا لبنان”:
كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
تعلو أصوات الطّبول الحربيّة حول إيران. وقد أكّد دونالد ترامب انتشار “أسطول عظيم”، من دون استبعاد أي خيار دبلوماسيّ. وجرى تعزيز القوّة البحريّة الأميركيّة، لا سيّما مع وصول حاملة الطّائرات أبراهام لينكولن، من أجل “إقناع” إيران بالتخلّي عن برنامجها النوويّ، والتوقّف عن ارتكاب المجازر بحقّ شعبها. أمّا في طهران، فثمّة توعّد بأنّ أي هجوم سيؤدّي إلى تبعات على منطقة الشّرق الأوسط بكاملها. بتعبير آخر: وُضع برميل البارود على الطّاولة، وأُشعل الفتيل.
أمّا في الجوهر، فلم يعد هناك من شكّ في ما ستؤول إليه الأمور. ستضطرّ إيران للتخلّي عن ترسانتها النوويّة والصاروخيّة، سواء عن طريق التّفاوض أو تحت وطأة “النّيران”، وفق التّعبير الرّاسخ حاليًّا. والباقي ليس سوى مشهديّة مصطنعة. فالمسار محدَّد مسبقًا.
وهذا بالضّبط ما يجعل موقف الإيرانيّين، ومحاورهم الإقليميّة، مثل حزب الله، أكثر غرابة: فهم يتحدّثون كما لو كانوا قادرين على الفوز بحروب سبق لهم وخسروها، مرارًا وتكرارًا. فحزب الله، في الواقع، يواجه المأزق عينه، شأنه شأن إيران. وستضطرّ هذه الميليشيا، غير القانونيّة بشكل رسميّ، عاجلًا أم آجلًا، طواعية أو قسراً، للتّخلي عن أسلحتها. وجلّ ما نجهله هو الثّمن البشريّ، وحجم الدّمار المحتمليْن قبل أن تفرض هذه الحقيقة نفسها.
لكن لا! أمام احتدام التوتّرات، يستمرّ أمين عام حزب الله في لبنان في التبجّح بالكلام. وها هو من لا يفوّت فرصة يخطئ فيها، يطلق تهديداته المعتادة من وراء جدران مخبئه.
“لن نبقى على الحياد”، قالها تعليقًا على احتمال توجيه ضربة لإيران.
خطوة أخرى غير مجدية، وموقف آخر محفوف بالخطر، ووعد آخر بكارثة تغلّفها كلمات فارغة. ويحدث هذا في وقت يرفض الجميع في هذا البلد، الجميع فعلًا، التورّط في صراع مع أي طرف.
في سياق مماثل، المنطق الوحيد في بلد منهك مثل لبنان هو التّواري عن الأنظار، على أمل تفادي البلاء.
ما يصدم اليوم ليس العدوانيّة، إنّما اللّاواقعيّة الكاملة.
لو ساد المنطق عالمنا، لحرص أي مسؤول أن يتوارى عن الأنظار، أن يغدوَ غير مسموع، وأن يبقى بعيدًا عن نطاق الرّصد.
أمّا قاسم، فيفعل العكس: يرفع يده، ويلفت الأنظار إليه، ويستجلب الخطر.
والأوقح في الأمر هو الانحياز المعلن للـ”مرشد” المزعوم: آية الله خامنئي، زعيم نظام خانق، سحق الاحتجاجات الشعبيّة الأخيرة بسفك الدّماء. تتحدّث منظمات غير حكوميّة عن أكثر من 30 ألف قتيل. وهذه ليست سوى بداية الكشف عن الحقائق.
أشخاص عاديّون: طلّاب، ونساء، وعمّال، خرجوا إلى الشّوارع يطالبون بفساد أقلّ، وحريّات أكثر، وحياة كريمة. وجاء الردّ بالرّصاص، والسّجون، والرّعب. وتشير آخر المعلومات القادمة من هذا البلد المغلق إلى شعب أصابته الصّدمة أمام هول المجازر. وإذا تأكّدت هذه الأرقام المرعبة، فسيتعيّن على العالم، الضّعيف الحضور والمتردّد حتّى اللّحظة، مساعدة الشّعب على التخلّص من جلّاديهم، ومحاسبة المسؤولين.
هذا هو النّظام الّذي يأبى قاسم إلّا أن يدافع عنه.
هذه هي السّلطة الّتي يعتبرها قاسم قضيّة مقدّسة. وليذهب لبنان إلى الجحيم!
هذا هو جوهر المشكلة: لا يحتكم قاسم إلى منطق الدولة، بل إلى الخضوع لمحور إيديولوجيّ.
ويبقى رفض الحياد هوساً قائمًا، كما لو أنّ الحياد خيانة. كما لو أنّ وسيلة الوجود الوحيدة هي التورّط في حرب دائمة مع أي أحد. لكان الحياد اليوم سيّد الموقف، في بلد طبيعيّ، لضمان البقاء. أمّا قاسم، فيعتبره جريمة أخلاقيّة.
تتوالى السّنون، ويتكرّر السيناريو عينه.
وتصبح كل أزمة إقليميّة أزمة لبنانيّة،
وتغدو كل حرب أجنبيّة جبهة لبنانيّة،
ويتحوّل كل خيار سياسيّ إلى خطأ.
لم نعدْ نتكلّم هنا عن مجرّد رؤية سياسيّة.
إنّها ردّة فعل تلقائيّة.
وتتمثّل ردّة الفعل التلقائيّة هذه في التّضحية المنهجيّة ببلد حقيقيّ خدمة لمصالح أجنبيّة.
قال تاسيتوس منذ نحو ألفيْ عام:
“كلّما ضلّ الرّجل طريقه، ازداد يقينه الثّابت بأنّه ملهَم”.
أصبحت الحقيقة على قاب قوسيْن.
مواضيع ذات صلة :
تقرير إسرائيلي يكشف موعد الضربة المحتملة على إيران | بين التهديد والدبلوماسية… ترامب يرسم معادلة القوة مع إيران | ترامب: سفنٌ ضخمة وقوية متّجهة إلى إيران |




