العراق: آخر الدّروع الاستراتيجيّة لدى إيران المنهارة

ترجمة هنا لبنان 30 كانون الثاني, 2026

ترجمة “هنا لبنان”:

كتب Ali A. Hamadé لـ”Ici Beyrouth“:

في مطلع عام 2026، يقف الشّرق الأوسط عند مفترق تاريخيّ. فقد برهن النّظام الإيراني، الّذي يواجه منذ 28 كانون الأوّل 2025 مظاهرات شعبيّة واسعة، من جديد، على عجزه في التّعامل مع أي احتجاج بعيدًا عن إراقة الدّماء، مؤكّدًا شبه انهيار سلطة، يرفضها شعبها بشكل كبير. وسرعان ما تجاوزت هذه الأزمة الداخليّة حدود إيران، فأثارت ردود فعل تزداد صرامةً من واشنطن، ومن الرّئيس دونالد ترامب.

يزداد احتمال توجيه ضربة أميركيّة ضدّ إيران يومًا بعد يوم، ويبدو سقوط نظام الملالي، وللمرّة الأولى منذ عام 1979، ممكنًا، في نهاية المطاف. لهذا السّبب، تُطرح أيضًا مسألة مناطق النّفوذ الإيرانيّة، فهي تشكّل منذ سنوات وسيلة ضغط مركزيّة في استراتيجيّة إيران الإقليميّة، وتسهم في خلق حالاتٍ من عدم استقرار مزمن، وتؤدّي إلى إشعال صراعات لا تنتهي.

اعتادت طهران استخدام خطاب القوّة، حتّى أنّها تغنّت بالسّيطرة على أربع عواصم عربيّة: بغداد، وصنعاء، ودمشق، وبيروت، الموصوفة بأنّها ركائز عقيدتها المعروفة بتسمية “وحدة ميادين القتال”. واليوم، يبدو ادّعاء الهيمنة هذا، المُشيّد كرمز للنّجاح الإيرانيّ الاستراتيجيّ، مدحضًا بفعل التطوّرات الإقليميّة، وإلى حدٍّ كبيرٍ.

وفي سوريا، ومع سقوط نظام بشّار الأسد بانقلابٍ قاده أحمد الشرع، تلقّى النّفوذ الإيرانيّ على دمشق ضربةً كبرى، علمًا أنّ دمشق منطقة حيويّة، وتشكّل نقطة عبور استراتيجيّة بين لبنان والعراق، لا سيّما لتمرير المعدّات العسكريّة، وضمان استمراريّة منظومتها الإقليميّة.

أمّا في لبنان، فقد أضعفت الحرب بين إسرائيل وحزب الله العمارة العسكريّة الإيرانيّة بشكلٍ كبيرٍ، خاصّةً مع تصفية سلسلة قيادة الحركة، واغتيال حسن نصر الله، بينما شرع الثنائيّ التنفيذيّ المؤلّف من جوزاف عون ونوّاف سلام في عمليّة إعادة تمركز القوّة العسكريّة بين أيدي الدولة.

وأخيرًا في صنعاء، تكبّد الحوثيّون انتكاساتٍ كبيرةً إثر الضّربات الأميركية والبريطانيّة، فضلًا عن العمليّات الإسرائيليّة، ما خفّض كثيرًا قدرتهم على الانتشار. وفي هذا السّياق، اكتسب العراق أهميّةً استراتيجيّةً خاصةً بالنسبة إلى طهران، فشكّل الرّكيزة الأخيرة العاملة، ولو بشكل جزئيّ، ضمن منظومة إقليميّة متحلّلة، في الوقت الّذي يعاني فيه النّظام الإيرانيّ أزمةً حادّةً، سياسيًّا، واستراتيجيًّا، ووجوديًّا.

في هذا المناخ الجيوسياسيّ المتوتّر للغاية، اختار النّظام الإيرانيّ تفعيل مناطق نفوذه المختلفة، الّتي أنشأها على مدى سنوات تحت شعار “محور المقاومة”، لأغراض قسريّة رادعة تجاه الولايات المتّحدة، وبشكل علنيّ. وفي تصعيد كلاميّ غير مسبوق، أعلن الحوثيّون في اليمن، وحزب الله اللبنانيّ، وكتائب حزب الله في العراق، تباعًا، عن نيّتهم الانخراط في الصّراع إلى جانب طهران، في حال شنّت أميركا ضربات عليها. وتشكّل هذه المواقف تحوّلًا استراتيجيًّا بارزًا، إذ نجح الإيرانيون حتّى اللحظة في تفادي تعريض محاورهم الإقليميّة، الأساسيّة لجهة قدرتهم على الانتشار والحفاظ على هيمنتهم، بشكل مباشر. وتعكس هذه الخطوة قبل كل شيء وضع النّظام الهشّ اليوم، في مواجهة خطرٍ يراه وجوديًّا. وفي حين يعتبرها بعض المراقبين مجرّد مناورة تخويف، هدفها ردع واشنطن، يعتقد آخرون أنّ طهران قد تُحدِث فعليًّا ردّة فعل متسلسلة لإيهام الجميع بأنّ أي ضربة ضد إيران ستؤدّي تلقائيًّا إلى اندلاع حرب إقليميّة. وبهذا الشّأن، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأنّ الإدارة الأميركيّة قد حذّرت فعلًا بغداد من مغبّة تورّط الميليشيات العراقيّة، وبأنّ واشنطن تحتفظ بحقّ الردّ.

وبالعودة إلى العراق، يبرز سؤال جوهريّ: لماذا يشكّل هذا البلد أهميةً استراتيجيّةً حاسمة ًبالنسبة إلى إيران؟ فضلًا عن أنّه يشكّل اليوم مجال النّفوذ الأكثر استدامةً بالنسبة إلى طهران، في ظلّ تراجع النّفوذ الإقليميّ بشكل عام. لكن النّظام الإيرانيّ يراهن على العامل المذهبيّ، إذ يصل عدد الشّيعة في العراق إلى أكثر من 60%. وأصبح العراق ركيزةً حيويّةً ساهمت في بقاء النّظام، وصموده اقتصاديًّا وماليًّا، لدرجة اعتباره مصدر عملته. وتعتمد هذه العلاقة الاقتصاديّة على عاملَيْن اثنَيْن: أولًا، غطّت صادرات الغاز الإيرانيّ إلى العراق نحو 30 إلى 40% من احتياجات الكهرباء في البلاد، بمبلغ سنويّ مقدّر بين 4 و5 مليارات دولار، يُسدّد بالدولار الأميركيّ، وهي مكاسب بالنسبة إلى إيران الّتي تعاني نقصًا مزمنًا في السيولة بسبب العقوبات الأميركية. وقد تسبّبت الضّغوطات الأميركية في تعليق هذه الصّادرات في كانون الأوّل 2025، ما حرم طهران من مصدر دخل استراتيجيّ.

من جهة ثانية، تُظهر الصّادرات الإيرانيّة غير النفطيّة إلى العراق، الّتي بلغت 6.719 مليارات دولار في الأشهر الثّمانية الأولى من السنة الإيرانيّة السّابقة (آذار-تشرين الثّاني 2025) مقابل نحو 11.9 مليار دولار في السّنة الفائتة، تراجعًا ملحوظًا بعيدًا عن الهدف المعلن البالغ 20 مليار دولار على المدى الطّويل. ويعكس أيضًا هذا الانكماش، إلى حدٍّ كبيرٍ، القيود والضّغوط الأميركيّة، فيكشف إلى أي درجة أصبح العراق مهمًّا بالنسبة إلى إيران كنفوذ اقتصاديّ حيويّ يُضعف مباشرة استقرار النّظام في حال اضمحلاله، وليس مساحة تأثير سياسيّ فحسب.

أمّا الأمر الثّاني فهو البعد الأمنيّ. ويرى الكثير من الخبراء أنّ طهران، من خلال نفوذها المباشر في المؤسّسات العراقيّة، تستخدم الأراضي العراقيّة كمنصّة لوجستيّة وماليّة لدعم ميليشياتها الإقليميّة، لا سيّما حزب الله اللبنانيّ. وتستند هذه السّيطرة بشكل كبير إلى الدور المركزيّ الّذي تؤدّيه هيئة الحشد الشعبيّ، وهو تحالف يضمّ أكثر من 60 ميليشيا مسلّحة موالية لإيران، ويملك وزنًا سياسيًّا حاسمًا في البرلمان من خلال الإطار التنسيقيّ، الّذي تشكّلت منه الحكومات العراقيّة المتعاقبة.

وفي هذا الإطار، تتمتّع إيران بسيطرة مؤسّسية فعليّة على العراق، تضمن لها أداة نفوذ مهيمنة، سياسيّة وأمنيّة في آنٍ. وتمنح هذه البنية طهران ميزتَيْن استراتيجيّتَيْن أساسيّتَيْن: قدرة على الرّدع غير المباشر في مواجهة خصومها، وعمقًا استراتيجيًّا حيويًّا لحماية النّظام. وأصبح العراق، لا سيّما منذ سقوط النّظام السوريّ، منطقةً عازلةً لا غنى عنها غربًا، شكّلت درعًا جيوسياسيًّا وخط دفاعٍ أخيرٍ، في ظلّ وضعٍ تفتقر فيه المنظومة الإيرانيّة الأمنيّة إلى محاورها الإقليميّة السّابقة.

وفي سياقٍ من ضعف النّفوذ الإقليميّ، تعمل لجنة التّنسيق، الّتي تضمّ القوى السياسيّة الرئيسية الموالية لإيران، على تمهيد عودة رئيس الوزراء السّابق نوري المالكي إلى السّلطة، إذ يشكّل ترشيحه بالنسبة إلى طهران مسألةً استراتيجيّةً كبرى. ففضلًا عن كونه حليفًا تاريخيًّا، يُجسّد المالكي نموذج حكم يتوافق مع مصالح إيران، نموذجًا قائمًا على تكامل عضويّ بين أجهزة الدّولة والقوّات المسلّحة غير النظاميّة، وهو ما ساهم في ترسيخه في ولاياته السّابقة، لا سيّما من خلال إضفاء الطّابع القانونيّ والسياسيّ على وحدات الحشد الشعبيّ. ومن شأن عودته أن تضمن لطهران استمرار نفوذها في صلب المؤسّسات العراقيّة، مع إمكان إدارة علاقاتها مع واشنطن في منطق التّوازن المسيطر، إذ أثبت المالكي في السّابق قدرته على الحوار مع الولايات المتّحدة من دون المساس بالخطوط الحمراء الإيرانيّة.

إلّا أنّ الرّئيس الأميركيّ ترامب هدّد عبر منصّة “Truth Social” بالتوقّف عن دعم العراق في حال عودة المالكي إلى السّلطة، معتبرًا أنّه “قاد بلاده إلى الفقر والفوضى في ولايته الأخيرة”، وأضاف أنّ “الولايات المتّحدة ستمتنع عن مساعدة العراق نهائيًّا في حال عاد إلى الحكم، بسبب سياساته وإيديولوجيّاته المجنونة”. ومن شأن هذا الموقف أن يقوّض أوّلًا جهود إيران الهادفة إلى التوصّل إلى تفاهم مع واشنطن عبر هذا المرشّح لرئاسة الحكومة، ثمّ أن يهدّد فرصه في الوصول إلى السّلطة، تجنّبًا لأي استفزاز مباشر لترامب.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الرّفض الأميركيّ، يسمح تحليل الخيار الإيرانيّ بدعم المالكي، بفهم الديناميّات السياسيّة والاستراتيجيّة الّتي أدّت إلى هذا التّرشيح. ويُضاف إلى ذلك هدف داخليّ أساسيّ: إعادة تشكيل المعسكر الشيعيّ العراقيّ حول مركز قرار منضبط، قادر على احتواء الصّراعات بين الفصائل المسلّحة، والحفاظ على بنية سلطويّة مواتية لإيران. وفي النّهاية، لا ينطلق ترشيح نوري المالكي من اعتبارات إيديولوجيّة، بل من حساب براغماتيّ: رغبة النّظام الإيرانيّ في إعادة ترسيخ هيمنته على العراق عبر أدوات الدولة بدلًا من الاستعراض العسكريّ، في مرحلةٍ تتضاءل فيها هوامش مناوراته الإقليميّة بشكل خطير.

ويبدو العراق، في ظلّ انهيار هيكله الإقليميّ التدريجيّ، الرّكيزة الاستراتيجيّة الأخيرة الّتي يستند إليها النّفوذ الإيرانيّ، سياسيًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا. غير أنّ هذا الموقف الدّفاعي لا يخفي واقع نظام فقد السّيطرة، وضعف نتيجة خياراته الخاصّة، وتآكل محاوره التقليديّة. وبينما تبقى الأنظار متّجهة نحو احتمال توجيه ضربة أميركيّة لإيران، يبقى النّظام الإقليميّ رهن قرارات واشنطن. وفي مواجهة سلطةٍ متّهمةٍ بتأجيج نار عدم الاستقرار المزمن في الشّرق الأوسط، لا يبدو تحجيم النّفوذ الإيرانيّ تهديدًا يُخشى، بل ضرورة استراتيجيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us