350 فقط من 2700 في طليعة المستفيدين من الاتفاقية… السجون تشرّع باب التعاون بين لبنان وسوريا!


خاص 31 كانون الثاني, 2026

الصيغة المطروحة تُكرّس تمايزًا بين محكومين لبنانيين وسوريين في جرائم متشابهة، وتُعالج جانبًا محدودًا من المشكلة، من دون التطرّق إلى الأسباب البُنيوية لأزمة السجون، ولا سيما الاكتظاظ، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، وتعطيل المحاكمات.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

طغت الاندفاعة السياسية نحو إعادة تنظيم العلاقة الرسمية مع دمشق على الملاحظات التقنية والقانونية المرتبطة باتفاقية نقل الأشخاص المحكومين بين لبنان وسوريا، وذلك بعد تفويض مجلس الوزراء نائب رئيس الحكومة، لا وزير العدل، توقيع الاتفاقية التي أراد الوزير عادل نصّار أن تكون أكثر إنصافًا وعدالةً للطرفين. هذا التفصيل الإجرائي عكس، لدى الأوساط القانونية، رغبةً سياسيةً في تخطّي التحفّظات التي سجّلتها وزارة العدل على بعض البنود الأساسية.

التحفّظ الأبرز تمحور حول شمول الاتفاقية محكومين بجرائم القتل والاغتصاب، ولو ضمن قيدٍ يفرض أن يكون المحكوم قد أمضى عشر سنوات في سجون الدولة التي أصدرت الحكم. وعلى الرغم من هذا القيد، يبقى عدد المستفيدين الفعليّين محدودًا، إذ زهاء 350 محكومًا سوريًا فقط يمكن أن تنطبق عليهم الشروط، من أصل نحو 2700 سوري في السجون اللبنانية. يُضاف إليهم نحو 370 موقوفًا صدرت بحقّهم أحكام في قضايا، لكنهم لا يزالون يخضعون لمحاكماتٍ أخرى، ما يحول دون استفادتهم حاليًا إلى حين صدور أحكام مبرمة في الملفات العالقة.

الاتفاقية، بصيغتها المطروحة، تشكّل أول إطار تعاون مؤسّساتي منظّم بين بيروت ودمشق في المرحلة الجديدة من العلاقة بين البلدين. وهي، من الناحية النظرية، تُطبَّق بصورةٍ متبادلةٍ، إلّا أن المستفيد الأوّل منها راهنًا سيكون الجانب السوري، على أن يستفيد لبنان منها لاحقًا في حالات معاكسة.

من الناحية القانونية، تُتيح الاتفاقية للشخص المحكوم، أو لممثله القانوني، أو للدولة التي يحمل جنسيتها، تقديم طلب نقل من دولة صدور الحكم إلى الدولة التي يحمل جنسيتها لاستكمال تنفيذ العقوبة. وتشترط موافقةً خطيةً وصريحةً من المحكوم، على أن يجري التثبّت من أن هذه الموافقة أُعطيت طوعًا وبإدراكٍ كاملٍ للنتائج القانونية المترتّبة على النقل. كما يُشترط أن يكون الحكم مبرمًا وقابلًا للتنفيذ، وألّا يكون الشخص مُلاحقًا في قضايا أخرى، وأن تكون الأفعال الجرميّة معاقبًا عليها في قوانين الدولتَيْن، وأن يعمد المحكوم إلى تسديد التزاماته المالية المتعلقة بالحقوق الشخصية.

وتتضمن الاتفاقية بنودًا إجرائيةً تفصيليةً تحدّد دور “السلطات المركزية” في البلدَيْن، أي وزارتَيْ العدل، في تبادل الطلبات والمستندات والأحكام المصدّقة، إضافةً إلى تحديد آلية احتساب المدّة المنفَّذة من العقوبة، بحيث تُحتسب السنوات التي قضاها المحكوم في الدولة مُصْدِرة الحكم ضمن مدّة العقوبة الإجمالية. كما تكرّس الاتفاقية مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتَيْن على الفعل نفسه بعد نقله، وتُلزَم الدولة المنفِّذة بإيقاف التنفيذ فور إبلاغها بأي قرار من الدولة مُصْدِرة الحكم يؤدّي إلى وقف العقوبة أو تعديلها.

وتحدّد الاتفاقية مهلًا زمنيةً للبتّ بطلبات النقل، وتحمّل الدولة التي سيُنقل إليها المحكوم نفقات النقل والعبور. كما أنّها تسري بأثر رجعي على الأحكام الصادرة قبل دخولها حيّز التنفيذ، ما يوسّع دائرة الحالات المشمولة بها فور بدء تطبيقها.

وتصبح الاتفاقية ملزمةً بعد انقضاء 30 يومًا من تاريخ التوقيع عليها من الطرفَيْن، وتنتهي بعد انقضاء 180 يومًا من تاريخ استلام إشعارٍ خطيٍّ من الطرف الآخر عن نيّته إنهاءها عبر القنوات الدبلوماسية.

تتجاوز مفاعيل الاتفاقية إطارها القانوني، وفق متابعين، إذ تندرج في سياق سعيٍ لبنانيٍّ لإعادة وصل وتوطيد العلاقات السياسية مع سوريا الجديدة، ولو من بوّابة السجون.

وفي حين يجري تقديم الاتفاقية على أنّها مدخل واقعي لمعالجة جزءٍ من أزمة الاكتظاظ المزمنة في السجون اللبنانية، سجّل متحفّظون عليها أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتمّ عبر خطوة جزئية. وشدّدوا على أنّ سوريا تطالب باستعادة نحو 2700 سجين سوري من السجون اللبنانية، ما يستدعي، برأيهم، مقاربةً شاملةً ومنظّمةً بين الدولتَيْن، لا إجراءً محدودًا يطال فئةً ضيّقةً من المحكومين.

واعتبروا أنّ الصيغة المطروحة تُكرّس تمايزًا بين محكومين لبنانيين وسوريين في جرائم متشابهة، وتُعالج جانبًا محدودًا من المشكلة، من دون التطرّق إلى الأسباب البُنيوية لأزمة السجون، ولا سيما الاكتظاظ، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، وتعطيل المحاكمات. وحذّروا من أن استمرار هذا الواقع من دون معالجة جذرية تطال الموقوفين اللبنانيين قبل السوريين قد يؤدّي إلى تفجير الوضع الإنساني داخل السجون اللبنانية، مع تحوّلها إلى قنابل موقوتة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us