إيران بين اللّايقين الاستراتيجيّ وديناميّات الصّراع

ترجمة هنا لبنان 2 شباط, 2026

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

تبقى إيران واحدةً من أبرز العوائق أمام إرساء سلام مستدام، والتوصّل إلى تسويات تفاوضيّة للنّزاعات في الشّرق الأوسط. إذ تسهم سياساتها التوسعيّة ذات الطّابع الإمبرياليّ في تغذية بؤر توتّر مُتعدّدة. ولا تقتصر النّقاشات بشأن احتمال اندلاع مواجهة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل والنّظام الإسلاميّ في طهران على السّاحة الإيرانيّة وحدها، بل تمتدّ انعكاساتها إلى مسارات الاستقرار الجيوسياسيّ في المنطقة ككلّ. كما تمثّل فرضيّة سقوط النّظام الإيرانيّ، وما قد يترتّب عليها من تداعياتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ، قضيّة محوريّة تتطلّب التّحليل. وتنصبّ الحسابات الجيوستراتيجيّة على منظومة معقّدة من المتغيّرات المتداخلة، الّتي تؤثّر في الاستقرار الإقليميّ، وفي توازنات القوى بين الدول. ونشهد اليوم مرحلةً مفصليّةً من التحوّلات الّتي تُعيد النّظر في مرتكزات الجيوسياسة الإقليميّة، وتضع بنية الدولة موضع تساؤل، وتفتح آفاق سلام جديدة، وتُعيد صياغة السرديّات المصاحبة لها.

ولم يتمّ القضاء بشكل كامل على “المسارح العملياتيّة المُندمجة” الّتي سمحت بالتمدّد الإيرانيّ، كما لم تتوصّل الجهود الدبلوماسيّة، حتّى الآن، إلى عكس سياسات زعزعة الاستقرار، ولا إلى كسر حلقات العنف الّتي تتسبّب بها. وتظلّ الأهداف الدبلوماسيّة في إيران، ولبنان، وغزّة، والعراق، واليمن، صعبة المنال. وفي هذا السّياق، تسعى إيران إلى إعادة تنشيط المُوالين لها، وإفشال مساعي الوساطة الدبلوماسيّة، وإعادة إحياء ديناميّات الصّراع، لا سيّما عبر الحروب الأهليّة، والفوضى المؤسّسة، وتجدّد أنماط الحرب الباردة.

وتبدو السرديّات السياسيّة الّتي تضع التّحالف الأميركيّ – الإسرائيليّ في مواجهةٍ حتميّةٍ مع إيران، فيما تظلّ أسس أي تفاوض عصيّة على التّوفيق. ويغدو من المشروع التّساؤل عمّا إذا كان تجاوز التّباينات الاستراتيجيّة والفكريّة، الّتي تجعل هذه المعضلات غايةً في التّعقيد، ممكنًا. ويبقى السّؤال الجوهريّ ما إذا كانت هذه المعضلات الاستراتيجيّة قابلةً للإدراك كمنظومة متكاملة، أم إنّها تُحتّم التّعامل معها كقضايا مستقلّة بحدّ ذاتها. فعلى المستوى التحليليّ، تُشكّل هذه القضايا المتمايزة جزءًا من نسيج جيوستراتيجيّ واحد، غير أنّها غالبًا ما تُعالَج، على المستوى العمليّ، بصورة منفصلة. ومع ذلك، تظلّ الديناميّة الإيرانيّة الخيط النّاظم لمختلف القضايا السياسيّة، والاستراتيجيّة القائمة.

ننظر إلى الصّراع القائم بوصفه امتدادًا بُنيويًّا للديناميّة الّتي أفْضت إلى تفكّك “المنصّات العملياتيّة المندمجة”. فعلى الرغم من العراقيل، والخسائر الّتي لحقت بمسار التمدّد الإيرانيّ، يواصل النّظام انتهاج سياسة التّخريب، واستراتيجيّة الصّراعات الطّويلة، وعسكرة القضايا بشكل مفرط. وعلى الرغم من أنّ سياسات الاحتواء أظهرت بعض الفاعليّة، إلّا أنّها تبقى غير كافية، لا سيّما في ظلّ الجمود على صعيد مسارات الوساطة الدبلوماسيّة، ما يُنذر بمستقبل غامض. ويواصل النّظام الإيرانيّ سياسة كسب الوقت، والمناورة، والتملّص من الجهود الرّامية إلى مواجهة تراجعه الحتميّ. ويوجّه الأسطول العسكريّ الموفد رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النّظام الإيرانيّ، تؤكّد ضرورة الالتزام بشكل ملموس. وفي حال الإخفاق في ذلك، سيستمرّ النّهج المتّبع لكبح تداعيات سياسة التّخريب الممنهجة التدميريّة.

أمّا الردّ المنتظر، فقد خيّب الآمال بشكل كبير. إذ أقدم النّظام على تنظيم مجازر جماعيّة غير مسبوقة من حيث الحجم، أسفرت عن ثلاثين ألف قتيل في خلال يومَيْن، ولجأ إلى إرهاب من دون ضوابط، ورفض أي مفاوضات مع تيارات المعارضة المختلفة. وبالتّوازي مع سياسة الرّعب الممارس داخليًّا، استؤنفت متابعة الأهداف الاستراتيجيّة، والعسكريّة، بعد هزائم 13 حزيران 2025 المتتالية. ولم تتراجع حدّة المواجهات من أي من الطرفيْن، فيما يبقى احتمال اندلاع حرب سيّد الموقف. وتعكس وحشيّة النّظام هشاشته البنيويّة، وشرعيّته المعطوبة. كما يسلّط غياب أي أجندة دبلوماسيّة متماسكة الضّوء على درجة تصلّبه، وسعيه إلى انتزاع تنازلات موقّتة، وتأجيل الاستحقاقات.

ويبدو النّظام الإسلاميّ عازمًا على مواصلة العسكرة، لا سيّما في المجالَيْن الصاروخيّ والنوويّ، بالتّوازي مع انخراطه في صراعات بالوكالة عبر المنطقة. وتقوم سياسته على محورٍ مزدوجٍ: تدمير دولة إسرائيل، والقضاء على جميع أشكال المعارضة السياسيّة الّتي قد تهدّد بقاءه. ولا يندرج أي من هذيْن الهدفيْن ضمن إطار دبلوماسيّة مهنيّة، فالنّظام الإيرانيّ يُعارض أصلًا إمكان اعتماد دبلوماسيّة طارئة، في وقتٍ تتفاقم فيه التوتّرات يومًا بعد يوم.

مع ذلك، يتعيّن ألّا ننسى أنّه، وفي ظلّ نظامٍ استبداديٍّ، يُجهَض إمكان وجود أي دبلوماسيّة من نوع الطّريق الثّاني، أو دبلوماسيّة متعدّدة الأطراف منذ البداية. فمجتمع مدنيّ ديناميكيّ ومبادِر في آن، ومدعوم بنشاط شتات يسير على خطاه، يواجه إقصاءً كاملًا لصالح دكتاتوريّة دينيّة استنزفته، واستولت على طاقاته. ويسعى التّخطيط الاستراتيجيّ الأميركيّ – الإسرائيليّ إلى دراسة المُتغيّرات المرتبطة بتغيير النّظام، وتأثيرات انتقال مراقب عن كثب، وانعكاساته على الأمن الإقليميّ، لا سيّما في جنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وأوروبا.

ويزيد تفاقم التوتّرات الجيوسياسيّة، وتصاعد العنف الداخليّ، من الغموض القانونيّ لنظام إيران، ويُعيدان النّظر في شرعيّته. وقد انخرط الأخير في مواجهة مفتوحة وعنيفة مع المجتمع المدنيّ الإيرانيّ، ويبدو أنّه لا يملك خيارًا سوى اللّجوء إلى الإرهاب، مع استمرار اعتماد سياسة زعزعة الاستقرار في المنطقة. وتُبدي المملكة العربية السعوديّة، ودول الخليج، وتركيا، حذرها من التحوّلات الافتراضيّة، وتخشى من التّعديلات الجيوسياسيّة الّتي قد تنشأ عنها. ولن يبشّر أي تحالف محتمل بين الولايات المتّحدة وإسرائيل والنّظام الجديد في إيران بالخير. وها نحن نواجه ديناميّة تغيير نظام، تفرض على الولايات المتّحدة والدول الإقليميّة دراسة السّيناريوهات المستقبليّة بدقّة، تفاديًا للانزلاقات، والبدائل المشكوك في أمرها، والتّداعيات الفوضويّة المحتملة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us