إيران تفاوض… ولبنان يتفرّج!

الاستقرار المطلوب لبنانيًّا يتطلّب الارتقاء في مقاربة التحدّيات التي يمرّ بها لبنان، لا بل تشريحها، ووضع حدٍّ فاصلٍ بين الدولة اللبنانية وأذرع إيران في لبنان والمنطقة، مع تأكيد الشيخ نعيم قاسم أنّ “الحزب” ليس حياديًّا في مسألة إيران.
كتبت طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
وجد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أنّ مصلحة إيران تقتضي بلورة إطار تفاوضي مع الولايات المتحدة، خلافًا للأجواء المصطنعة التي تروّجها وسائل الإعلام، وفق تعبيره.
في المقابل، لم تجد الحكومة اللبنانية أنّ مصلحة الدولة اللبنانية تفرض الإسراع في بلْورة إطار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، يُخرج اللبنانيين من دوامة المغامرات التدميرية التي تقودها إيران عبر أذرعها. وكان آخر المؤشرات إعلان الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الالتزام بخيار الولي الفقيه والمقاومة، مع الجاهزية لمساندة إيران في أي مواجهة تتعرّض لها.
منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” في 27 تشرين الثاني 2024، تتولّى “الميكانيزم” متابعة تنفيذ بنود الاتفاق، ولا سيما ما يتّصل بتنظيف الجنوب من سلاح الجماعات المسلحة، وفي طليعتها سلاح الحزب. إلّا أنّ عملها، حتى بعد تعيين السفير السابق سيمون كرم على رأس الوفد اللبناني، لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب لبنانيًّا، لاقتصار عملها في التنسيق العسكري، بما يشبه “إدارة تفليسة”، لا بل تصفية الجناح العسكري لحزب الله، وتحوّلها إلى إدارة أزمة مفتوحة تتخطّى الليطاني.
لم تنجح الحكومة في إقناع “حزب الله” بتسليم مخازنه طَوْعًا إلى الجيش اللبناني، ولا بتسليم خرائط أنفاقه أو أسلحته الثقيلة. ومع انتقال الجيش اللبناني إلى المرحلة الثانية من نزع السلاح جنوب الليطاني، وإعلان الحزب صراحةً رفض التعاون مع الجيش، باتت المناطق السكنية والبيئة الحاضنة للحزب عرضةً دائمةً للاستهداف. يدفع المدنيّون الثّمن، بين تهجير وتشريد وخسائر متراكمة. أمّا دور الحكومة، فيقتصر على رصد الغارات ووضع المعنيين في صلب التحدّيات الميدانيّة التي حملها قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن.
وعلى الرغم من أن دعم الجيش أولوية لتعزيز انتشاره على كامل الأراضي اللبنانية، فإنّ اللبنانيين سئموا العيش في ظلّ حرب مفتوحة، سواء كانت داخلية مقنّعة أو نتيجة استدعاء الاعتداءات الخارجية.
لذلك، فإنّ الاستقرار المطلوب لبنانيًّا يتطلّب الارتقاء في مقاربة التحدّيات التي يمرّ بها لبنان، لا بل تشريحها، ووضع حدٍّ فاصلٍ بين الدولة اللبنانية وأذرع إيران في لبنان والمنطقة، مع تأكيد الشيخ نعيم قاسم أنّ “الحزب” ليس حياديًّا في مسألة إيران.
في الإقليم، يستثمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوقت المتبقّي لوصول أكبر أسطول حربي إلى الشرق الأوسط للضغط على إيران وجرّها إلى تفاوض بلا شروط مسبقة، وصولًا إلى اتفاق يتضمّن الامتثال الكامل للمطالب الأميركية، وفي طليعتها وقف البرنامج النووي. أمّا تفكيك الصواريخ الباليستية، وضبط أذرع طهران التي تُشكّل تهديدًا يوميًا لإسرائيل والدول العربية، فلم يتّضح بعد ما إذا كان الرئيس الأميركي سيتعامل معها بالجدّية والحزم نفسَيْهما اللذَيْن يعتمدهما في مقاربة البرنامج النووي الإيراني.
وسط هذا المشهد، يغيب لبنان الرسمي عن المباحثات، فيما يتحوّل نزع سلاح “حزب الله” إلى بندٍ حتميٍّ، يتخطّى قرار الحكومة، ويدخل في مسار غير قابل للتفاوض منذ اتفاق وقف الحرب الإسرائيلية على “الحزب”.
من هنا تبرز حاجة لبنان إلى تحرّك حكومي فاعل؛ ووضع خريطة طريق سياسية واضحة تنطلق من المصلحة اللبنانية أوّلًا، وتواكب التحوّلات الإقليمية بدل الاكتفاء بتلقّي نتائجها. فلبنان لا يحتمل أن يبقى ساحة رسائل، ولا أن يُترك مصيره معلّقًا بين الغارات الإسرائيلية وأوراق إيران التفاوضية.
ربط “حزب الله” مصيره بمصير الولي الفقيه يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سيادي غير مسبوق. إمّا أن تستعيد قرارها الاستراتيجي، أو تبقى رهينة صراعات الآخرين. وبين هذين الخيارين، تبدو الحاجة ملحّة إلى انخراط لبناني جدي في مسار إقليمي تفاوضي مع إسرائيل يُفضي إلى اتفاق أمني واضح، ويؤسّس لمرحلة استقرار تحترم سيادة الدولتَيْن، ويجنّب شعوب المنطقة ويْلات الحروب المدمّرة واللّامتناهية التي تستثمر إيران في إشعالها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
350 فقط من 2700 في طليعة المستفيدين من الاتفاقية… السجون تشرّع باب التعاون بين لبنان وسوريا! | الميكانيزم: يكّرس الهزيمة ولا ينتج سلاماً | فرض السلام يمرّ من طهران… رأس الأفعى أوّلًا! |




