هل ستنجح المفاوضات الجديدة بين الولايات المتّحدة وإيران؟!

ترجمة هنا لبنان 3 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت ناتاشا متني طربيه لـ”Ici Beyrouth“:

في حين يبدو حتّى الآن أنّ سيناريو مواجهة عسكريّة يُهيمن على كل الافتراضات، يبدأ كل من الولايات المتّحدة وإيران، من دون إزالة التّهديد في تصعيد محتمل، مرحلةً غامضةً من الاستكشاف الدبلوماسيّ تهدف إلى تفادي شبح صراع هائل.

ومن واقع قوة تسيطر عليه فرضيّة مواجهة عسكريّة، إلى إعادة فتح القناة الدبلوماسيّة بحذر، تشهد العلاقة بين واشنطن وطهران تحوّلًا هشًّا، تفرضه ضرورة تجنّب صراع قد يؤدّي إلى عواقب إقليميّة يصعب السّيطرة عليها. وفي الأيّام الأخيرة، أكّدت سلسلة من الإشارات المتقاطعة، بما في ذلك تصريحات حربيّة، وتحذيرات إقليميّة، وتبادلات غير مباشرة عبر وسطاء، دخول العاصمتيْن في مرحلة استكشاف سياسيّ، دقيقة ومحفوفة بالمخاطر في آن.

فصباح يوم الاثنين، طلب الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان بدء محادثات تتناول الملفّ النوويّ مع الولايات المتّحدة. أمّا يوم السبت، فقد أعلن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ، والمقرّب من المرشد الأعلى، عن تقدّم في إعداد إطار للمناقشات مع الولايات المتّحدة. وفي السياق عينه، أكّد الرّئيس الإيرانيّ إنّ الحرب لن تخدم مصالح إيران ولا مصالح واشنطن، مشدّدًا على استعداد بلاده للدّفاع عن مصالحها. من جهته، أعلن الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأحد عن تبادلات جارية، مع التّأكيد على وجود قوة بحريّة أميركيّة كبيرة في المنطقة.

مع ذلك، لا تشكّل الاتّصالات هذه مفاوضات رسميّة حتّى اللّحظة. فآليّات الحوار غامضة، والقنوات غير المباشرة هي المفضّلة، وتبقى الشّروط السياسيّة المتعلّقة بأي انخراط منظّم غير محدّدة بعد. ويتعيّن التّذكير بأنّ اللّحظة الدبلوماسيّة هذه تأتي في سياق تاريخ طويل من المقاربات الفاشلة، إذ يمثّل الملفّ الإيرانيّ، لا سيّما قضيّة النوويّ، محور التوتّرات بين طهران والمجتمع الدوليّ، منذ أكثر من عقديْن من الزّمن.

يستدعي هذا الأمر العودة إلى الوقائع، ومتطلّبات الطّرفيْن، وماهية التحدّيات في المفاوضات الحاليّة، فضلًا عن استعراض أسباب فشل الدّورات السّابقة.

ما تريده الولايات المتّحدة!

من منظور الولايات المتّحدة، يبقى منع إيران من الوصول إلى السّلاح النوويّ الهدف الأسمى. مع ذلك، وفي السّياق الحاليّ، تتجاوز هذه المطالب نطاق السّيطرة التقنيّة على البرنامج النوويّ. وتسعى واشنطن حاليًّا إلى التّعامل مع ما تعتبره مجموعةً متكاملةً من التّهديدات: القدرات النوويّة الكامنة، والتّرسانة الصاروخيّة، والتمدّد الاقليميّ غير المباشر.

وبحسب مصادر متعدّدة، أرسلت إدارة ترامب إلى طهران عبر قنوات غير رسميّة سلسلةً من المطالب الصّارمة، تتجاوز بشكل كبير حدود اتفاقيّة فيينا لعام 2015. وتشمل هذه المطالب استرجاع مخزونات اليورانيوم المخصّب، المتراكمة على مدى السّنين الماضية، والتوقّف التّام عن الأنشطة النوويّة الحسّاسة، وتفكيك البرنامج الصاروخيّ، وإنهاء أي دعم عسكريّ أو ماليّ يقدّم إلى حلفاء إيران الاقليميّين في لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن.

تعكس هذه المقاربة الشّاملة، رؤية استراتيجيّة مشتركة بين واشنطن وإسرائيل، مفادها أنّ تجزئة الملفّ الإيرانيّ غير ممكنة. فبالنسبة إلى الولايات المتّحدة، قد لا يمسّ أي اتّفاق يقتصر على الملفّ النوويّ، قدرة طهران على إلحاق ضرر إقليميّ، بأي أذى. لذلك، فالهدف المعلن هو التوصّل إلى “اتّفاق شامل”، مع التشدّد في المطالب، ما يجعل النّتيجة الدبلوماسيّة ضبابيّةً بشكل كبير.

في هذا السّياق، يكتسب دور إسرائيل أهميّة بالغة. ففي الأسابيع الأخيرة، كثّف عدد من المسؤولين الأمنيّين الاسرائيليّين المشاورات في واشنطن بهدف التّأثير في الخطّ الأميركيّ. وترى تل أبيب أنّ إيران تمرّ بمرحلة هشاشة استراتيجيّة غير مسبوقة، وتدعو إلى اتّباع نهج الصّرامة القصوى. ومن وجهة نظرها، فإنّ أي تنازل غير محاط بمراقبة دقيقة قد يعزّز قوة إيران بشكل دائم، بما يضرّ بالتّوازن الاقليميّ.

الموقف الإيرانيّ

في مواجهة هذه المطالب، يبقى الموقف الإيرانيّ متّسمًا باستمراريّة عقائديّة واضحة، على الرغم من ظهور علامات مرونة تكتيكيّة خلف الكواليس. وتواصل السّلطات الإيرانيّة الدّفاع عن المبدأ القائل إنّ تخصيب اليورانيوم على أراضيها حقّ سياديّ، منصوص عليه في الأطر الدوليّة القائمة، ولا يمكن التّنازل عنه تحت أي ضغط. وتشدّد هذه الجهات على أن يترافق أي تفاوض مع التزام واشنطن بتعهّداتها بشكل كبير، بعد سنوات من الانتهاكات الأحاديّة الّتي أضعفت الثّقة بشكل عميق.

علاوةً على ذلك، ترفض طهران بشكل قاطع أي محاولة لوضع قدراتها العسكريّة التقليديّة على طاولة التّفاوض. ويشكّل البرنامج الصاروخيّ، على وجه الخصوص، ركيزة الرّدع الأخيرة الموثوقة الّتي تمتلكها الجمهوريّة الاسلاميّة بعد تراجع شبكتها الإقليميّة،والهجمات المتكرّرة على بنيتها التحتيّة. وبهذا المعنى، يُنظَر إلى أي محاولة تفاوض حول مسألة الصّواريخ كتهديد وجوديّ يستهدف الأمن القوميّ الإيرانيّ، وليس كتسوية.

مع ذلك، لا تستبعد هذه الصّرامة نقاشات داخليّة تزداد حدّتها شيئًا فشيئًا. إذ يولّد تقاطع الضّغوط الخارجيّة، والعقوبات الاقتصاديّة الخانقة، والتوتّرات الاجتماعيّة الداخليّة، في داخل النّظام، انقسامات بشأن حدود التّنازلات الّتي يمكن التّفكير بها. وتعتقد بعض الأوساط أنّ بقاء النّظام يتطلّب تكيّفًا استراتيجيًّا، حتّى لو اقتضى الأمر تقبّل ترتيبات موقّتة، أو غير مباشرة بشأن الملفّ النوويّ. بينما يرى آخرون، لا سيّما ضمن الأجهزة الأمنيّة، أنّ تراجعًا مماثلًا هو رضوخ يحمل تداعيات يستحيل الرّجوع عنها.

من الصّدمة العسكريّة إلى محاولات الحدّ من التّصعيد

تأتي هذه المرحلة الدبلوماسيّة في أعقاب فترة من التوتّرات غير المسبوقة. ففي حزيران 2025، اندلعت حرب قصيرة بين إيران والولايات المتّحدة استمرّت أيامًا، تعرّضت فيها مواقع نوويّة إيرانيّة مختلفة للقصف. وقد أسهم هذا الحدث في تدهور العلاقات بشكل كبير، وتضييق هوامش التّفاوض، وترسيخ منطق المواجهة، وفي الوقت عينه، أصبح التوصّل إلى حلّ سياسيّ أمرًا ملحًّا.

وفي أواخر عام 2025، جرى تنظيم جولات متعدّدة من المحادثات غير المباشرة بوساطة عُمانية، أو بدعم من دول خليجيّة أخرى، لا سيّما قطر. وقد تناولت هذه المحادثات صيغًا انتقاليّةً، كفرض قيود موقّتة على تخصيب اليورانيوم، مقابل تخفيف العقوبات بشكل جزئيّ، أو الإفراج عن أموال مجمّدة، من دون التوصّل إلى اتّفاق رسميّ.

وفي المرحلة الرّاهنة، تضطّلع أطراف إقليميّة، من بينها قطر، وعُمان، وتركيا، ومصر، بدور محوريّ في جهود الوساطة، عبر تسهيل قنوات التّواصل من دون اتّصال مباشر بين الطرفيْن. وتعكس هذه الدبلوماسيّة غير المعلَنة مصلحةً مشتركةً لدى بعض الدول في تفادي اندلاع مواجهة إقليميّة شاملة. كما ساندت روسيا، حليف إيران الاستراتيجي منذ عام 2025، خيار الحوار، ودعت إلى استثمار ما تبقّى من هوامش تفاوض قبل أي تصعيد محتمل.

لماذا مُنيت دورات التّفاوض بالفشل حتّى الآن؟

يندرج المأزق الرّاهن ضمن نمط متكرّر. فقد شكّل اتّفاق عام 2015 النوويّ محطّةً مفصليّةً، مقابل فرض قيود صارمة على البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وتخفيف العقوبات. غير أنّ تنفيذ هذا الاتّفاق تعرّض لانتكاسة عام 2018، عقب انسحاب الولايات المتّحدة الأحاديّ، ما أعاد ترسيخ مناخ عدم الثّقة في طهران، وأضعف أي إطار محتمل للتّعاون المستقبليّ.

ومنذ ذلك الحين، تصطدم محاولات إعادة إحياء المسار بثلاثة عوائق رئيسية. أوّل عائق هو عدم استقرار السّياسة الأميركيّة مع كل تبديل في الإدارات، إذ أعادت كل إدارة جديدة صياغة مقاربتها تجاه إيران، ما جعل أي اتّفاق غير مستقرّ، وصعب التّثبيت على المدى الطويل. ويليه انعدام الثّقة المؤسسيّ المتجذّر في طهران، حيث غالبًا ما يعتبر الجهاز السياسيّ الايرانيّ، لا سيّما المؤسّسات الأمنيّة المحافظة أكثر من غيرها، أنّ الدبلوماسيّة هي تنازل وليست خيارًا براغماتيًّا. أمّا العائق الثّالث فيتمثّل في تشابك الملفّ النوويّ مع رهانات إقليميّة ودوليّة أوسع، تشمل إسرائيل، والملكيّات الخليجيّة، وروسيا، والصين، حيث تتداخل الاعتبارات النوويّة مع قضايا الأمن، والتّوازنات، والنّفوذ الاستراتيجيّ.

عوائق بنيويّة أمام اتّفاق مستدام

لا تزال عوائق متعدّدة قائمة، وتتجاوز بكثير الجوانب التقنيّة البحتة. ويتمثّل أوّلها في مستوى التقدّم الّذي بلغته التكنولوجيا النوويّة الإيرانيّة. فمنذ الانسحاب الأميركيّ من اتّفاق فيينا، واصلت إيران تطوير أجهزة طرد مركزيّ متقدّمة، وتكديس مخزونات من اليورانيوم المخصّب، ما جعل أي تقليص فعليّ أكثر تعقيدًا من حيث الإشراف والتحقّق.

ثانيًا، وحتّى في حال التوصّل إلى إطار تفاوضيّ في الأيّام المقبلة، فإنّ غياب آليّات ضمان وتحقّق موثوقة، يُضاف إليه سجلّ من الاخفاقات السّابقة، يُبقي الالتزامات مهدّدة بصورة دائمة.

يُضاف إلى ذلك عامل طاقويّ محوريّ، يتمثّل في مسألة النّفط. فبالنسبة إلى طهران، يشكّل رفع العقوبات عن صادرات النّفط مسألةً حيويّةً، سواء لاستمرار النّظام اقتصاديًّا، أو للحفاظ على الاستقرار الاجتماعيّ الداخليّ.

وفي المقابل، يتّهم المرشد الأعلى علي خامنئي الولايات المتّحدة بالسعي إلى “خنق” إيران عبر الإبقاء على رقابة صارمة على عائداتها الطاقويّة، ما يجعل النّفط أداة ضغط استراتيجيّة لا تقلّ حساسيةً عن الملفّ النوويّ في المفاوضات الجارية.

وأخيرًا، يُضاعف تراكم ضغوط داخليّة متزايدة، وحراك اجتماعيّ مستمرّ، الحاجة الاقتصاديّة الملحّة لدى طهران إلى البحث عن مخرج يخفّف الاحتقان، في اقتصاد انهكته سنين طويلة من العقوبات. مع ذلك، يجعل غياب أي إصلاحات سياسيّة بنيويّة، واستمرار قمع الاحتجاجات، تقديم إيران نفسها كشريك دبلوماسيّ جدير بالثّقة، ودائم، أمرًا صعبًا.

في الوقت الّذي تمضي فيه الدبلوماسيّة بخطى حذرة بين واشنطن وطهران، يبقى شبح المواجهة حاضرًا بقوة. فبيْن مطالب الولايات المتّحدة القصوى، والخطوط الحمراء الإيرانيّة، والوساطات الاقليميّة الهشّة، يظلّ كل تقدّم رهينة الثّقة، أو غيابها. ويشكّل الملفّ النوويّ، والبرنامج الصاروخيّ، ودور إيران الإقليميّ، ومعه الآن مسألة النّفط، بؤر توتّر متراكمة تجعل من الصّعب توقّع أي اتفاق سريع ونهائيّ. وفي هذه الأثناء، قد تكفي هفوة واحدة في الحسابات لتدفع الأطراف نحو المواجهة المفتوحة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us