آلان حكيم: لا حلّ بلا اختبار سيولة… والتشريع دون أرقام يعيد إنتاج الانهيار


خاص 6 شباط, 2026

جوهر الأزمة لا يكمن في نقص القوانين، بل في غياب الواقعية المالية والشفافية في توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات. فقبل البحث في سقوف الودائع أو وعود التعويض، تطرح أسئلة أساسية حول حجم السيولة المتاحة، مصادر التمويل الممكنة، ودور الدولة في سدّ الفجوة المالية التي راكمتها على مدى سنوات

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في خضمّ السجال الدائر حول مشاريع القوانين المطروحة لمعالجة الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، تتكاثر الطروحات التشريعية فيما يغيب السؤال الجوهري: هل تستند هذه المقاربات إلى وقائع مالية فعلية أم إلى وعود غير مموّلة؟ وبين من يدفع باتجاه إقرار قوانين سريعة تحت ضغط الرأي العام، ومن يحذّر من تشريعات قد تعمّق الأزمة بدل معالجتها، يبرز اتجاه واحد يربط أي حل مستدام بضرورة العودة إلى الأرقام، والسيولة، والقدرة الحقيقية على التنفيذ.

من هذا المنطلق، تتقاطع مقاربة وزير الاقتصاد الأسبق آلان حكيم مع قراءة مصدر مصرفي مطّلع، في التأكيد على أنّ جوهر الأزمة لا يكمن في نقص القوانين، بل في غياب الواقعية المالية والشفافية في توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات. فقبل البحث في سقوف الودائع أو وعود التعويض، يطرح الطرفان أسئلة أساسية حول حجم السيولة المتاحة، مصادر التمويل الممكنة، ودور الدولة في سدّ الفجوة المالية التي راكمتها على مدى سنوات.

وفي وقت تُقدَّم فيه بعض الحلول على أنها منقذة لحقوق المودعين، يحذّر هذا التوجّه من أنّ أي تشريع لا ينطلق من اختبار جدّي للسيولة، ولا يحدّد بوضوح التزامات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، سيبقى حبراً على ورق، وقد يعيد إنتاج الانهيار نفسه بأدوات قانونية جديدة. من هنا، تأتي هذه القراءة التي تضع النقاش التشريعي في إطاره المالي الصحيح، بعيداً من الشعبوية، وقريباً من الأسئلة التي لم يُجب عنها بعد.

يقول وزير الاقتصاد الأسبق آلان حكيم لموقع “هنا لبنان” إنّ جوهر الأزمة المالية والمصرفية في لبنان لا يُعالج بالشعارات ولا بالقوانين المسبقة، بل بالواقعية المالية، محذّراً من أنّ أي مقاربة تشريعية لا تنطلق من اختبار جدّي للسيولة (Liquidity Stress Test) تبقى مجرّد تمرين نظري غير قابل للتطبيق.

ويشرح حكيم أنّ حقوق المودعين لا تُقاس بالنوايا الحسنة أو بالوعود السياسية، بل بالقدرة الفعلية على الدفع، وهذه تُحدَّد حصراً من خلال ثلاثة عناصر واضحة: السيولة المتوفّرة اليوم، مصادر السيولة الممكنة، وتوقيت الدفع، أو ما يُعرف بالـDisponibilité. أمّا إقرار القوانين قبل إجراء هذا الاختبار، فيشبّهه حكيم بمن يكتب شيكاً ثم يبدأ بالبحث عن رصيد لتغطيته، معتبراً أنّ هذا المنطق المقلوب هو نفسه الذي قاد إلى الانهيار. ومن هنا، يرى أنّ تقييم ما تملكه الدولة اللبنانية ومصرف لبنان يشكّل شرطاً مسبقاً لأي خطة أو قانون، لا نتيجة لاحقة لها.

التوظيفات الإلزامية: ملكية خاصة لا يجوز المسّ بها

وينتقل حكيم إلى ملف التوظيفات الإلزامية، فيشدّد على أنّ هذه الأموال هي أموال المصارف والمودعين، وليست أموال الدولة، وقد وُضعت لدى مصرف لبنان كضمانة للسيولة والملاءة، لا كمصدر تمويل مفتوح. ويحذّر من أنّ استخدام هذه الاحتياطيات أو استنزافها يشكّل تعدّياً واضحاً على الملكية الخاصة، ويحوّل مصرف لبنان إلى جهة اقتطاع قسري، ما يضرب جوهر النظام المصرفي.

وبرأي حكيم، هذا المسار لا يضعف فقط ملاءة المصارف، بل يقضي على أي أمل باستعادة الثقة أو جذب مستثمرين جدد، إذ لا يمكن لأي مستثمر أن يضخ أموالاً في قطاع تُصادَر أصوله بقرارات إدارية. كما يؤكد أنّه لا يجوز تحميل المودعين ثمن سوء الإدارة والفساد وغياب الدولة.

إعادة الهيكلة: تفكيك منظّم لا تعاميم عشوائية

ويحذّر حكيم من أنّ إبقاء الأمور في حالة الغموض والعتمة لا يفعل سوى إعادة إنتاج انعدام الثقة بالقطاع المصرفي، ويؤخّر أي تعافٍ محتمل.

وعد الـ100 ألف دولار: رقم جميل… بلا تمويل

وعند الحديث عن الوعود الكبرى، يشكّك حكيم بواقعية وعد الـ100 ألف دولار، معتبراً أنّه رقم جذّاب عالمياً، لكنه غير موثوق مالياً في لبنان، متسائلاً عن مصدر تمويل مبلغ يُقدَّر بين 20 و22 مليار دولار. ويشرح أنّ الاقتصاد اللبناني لا يحقق نمواً ولا فائضاً، فيما تعتمد الموازنة بنسبة تقارب 80% على الضرائب المباشرة من دون أي تحريك فعلي للعجلة الاقتصادية.

أما تصفير الرساميل، فرغم أنه قد يرضي الشارع شعبوياً، إلا أنه يقتل الحوافز لإعادة الرسملة ويغلق الباب أمام أي استثمار جديد. ويشدّد حكيم على أنّ المعادلة السليمة ليست “مودعون ضد مصارف”، بل “مودعون مع مصارف قابلة للحياة”.

ويلفت إلى أنّ الدولة اللبنانية ليست مراقباً محايداً في هذه الأزمة، بل طرفاً أساسياً في الفجوة المالية، ومسؤوليتها تشمل إصلاح ماليتها العامة، إصلاح القطاع العام، والالتزام بسداد ديونها لمصرف لبنان، والتي يقدّرها بنحو 16.5 مليار دولار صُرفت على الكهرباء والدعم، فيما يصل مجموع التزامات الدولة إلى ما بين 46 و50 مليار دولار. ويحذّر من أنّه إذا لم تفِ الدولة بموجباتها، تسقط أي خطة حكماً، لأنّ مصرف لبنان لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه مموّلاً ومنفّذاً وضحية.

ويختم بالقول: “مشكلة لبنان ليست نقص قوانين، بل فائض قوانين لا تُطبَّق بذكاء. وأي خطة لا تبدأ بالسيولة وتنتهي بإعادة الثقة ستبقى حبراً على ورق”.

من جهته، يؤكد مصدر مصرفي مطّلع أنّ أي مشروع قانون يُطرح على مجلس النواب لمعالجة الأزمة المالية والمصرفية لا يمكن أن يكون قابلاً للتطبيق ما لم يستند إلى أرقام واضحة ومحدّدة تُظهر بدقة إمكانيات والتزامات كل طرف معني، سواء المصارف التجارية، أو مصرف لبنان، أو الدولة اللبنانية.

ويشير المصدر إلى أنّ من واجب النواب مطالبة الحكومة بهذه الأرقام قبل إقرار أي تشريع، مذكّراً بما حصل في نقاش موازنة ومعاشات العسكريين المتقاعدين، حين تذرّعت الحكومة بعدم توفّر دراسة فعلية للكلفة، ما أدّى إلى تعليق البحث بالملف. ويتساءل عن سبب عدم اعتماد المعايير نفسها عند مناقشة ما يُعرف بـ”قانون الفجوة المالية”، رغم أنه أخطر بكثير من أي بند موازنة، نظراً لتأثيره الممتد على مدى عشرين عاماً على الأقل.

قانون تسوية أكثر منه قانوناً تقنياً

ويصف المصدر القانون المطروح بأنه أقرب إلى “قانون تسوية” بين أطراف متضررة وأخرى مستفيدة، وليس قانوناً بالمعنى القانوني والتقني الصرف، مشيراً إلى غياب أي سند قانوني واضح يجيز شطب الفجوات المالية أو التمييز بين المودعين، سواء عند سقف الـ100 ألف دولار أو غيره. ويعتبر أنّ هذا الواقع يفرض التعاطي مع القانون بوصفه حلاً وسطاً اضطرارياً، ما يستدعي أن يكون مبنياً على دراسات دقيقة تُبيّن بوضوح حجم الأعباء التي يمكن لكل طرف تحمّلها، تفادياً لتحميل جهة واحدة كلفة أزمة شاملة.

غياب آلية واضحة لمعالجة تعثّر المصارف

ويلفت المصدر إلى ثغرة أساسية في المشروع، تتمثّل في غياب آلية واضحة للتعامل مع المصارف المتعثّرة في حال عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها المالية أو فقدانها السيولة. ويشدّد على ضرورة أن يحدّد القانون بشكل صريح مصير المصرف المتعثر، وكذلك مصير المودعين فيه، معتبراً أنّ تجاهل هذا الجانب يكرّس الغموض ويُبقي القطاع المصرفي في حالة شلل دائم.

الدولة والـ20 مليار دولار: التمويل غير متوافر

وفي ما يتعلّق بوعد إعادة ما يصل إلى 100 ألف دولار لكل مودع، يوضح المصدر أنّ المبلغ المطلوب، والمقدّر بنحو 20 مليار دولار، غير متوافر حالياً لا لدى مصرف لبنان ولا لدى المصارف التجارية. ويعزو ذلك إلى ما يصفه بمحاولة الدولة التهرّب من تحمّل مسؤولياتها، رغم كونها الطرف الذي استفاد أكثر من غيره من الأزمة، باعتبارها الجهة التي راكمت أكبر حجم من الديون. ويشدّد على أنّ الدولة تتحمّل المسؤولية الأساسية عمّا حصل، وأنه من دون مساهمتها الفعلية عبر تسديد جزء من ديونها، لن يكون بالإمكان تأمين هذه المبالغ.

استحالة حماية المودعين من دون مساهمة الدولة

ويرى المصدر أنّ التوفيق بين حماية حقوق المودعين والحفاظ على استمرارية القطاع المصرفي مستحيل في حال لم تضع الدولة مبالغ تفوق ما يمكن أن يقدّمه مصرف لبنان والمصارف مجتمعة. ويحذّر من أنه من دون هذه المساهمة ستنهار المصارف بالكامل، ما يعني ضياع حقوق المودعين وضرب ما تبقّى من الاقتصاد الوطني. كما يؤكد أنه لا يمكن جذب أي استثمارات جديدة أو تحقيق إعادة رسملة حقيقية إذا كانت الأرباح المستقبلية ستُستخدم حصراً لتغطية التزامات وخسائر قديمة.

ويختم المصدر بالقول إنّ «صورة الحل لن تكتمل، ولن يكتمل هذا الـPuzzle، ما لم تُعد الدولة جزءاً من الـ40 إلى 50 مليار دولار التي استُخدمت على مدى السنوات الماضية”، معتبراً أن أي مقاربة لا تنطلق من هذه الحقيقة تبقى ناقصة وغير قابلة للحياة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us