سوق الذّهب الأسود: خفايا تداول المعدن الأصفر

ترجمة هنا لبنان 6 شباط, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

في بيروت اليوم، يتنقّل الذّهب بيْن عالميْن متوازييْن: أحدهما قانونيّ، مُصرَّح به ومسجَّل رسميًّا، والآخر خفيّ من دون أثر، تغذّيه الرّيبة، والمضاربة، وثغرات دولة منهكة. ومنذ اندلاع الأزمة الاقتصاديّة عام 2019، الّتي رافقتها اضطّرابات سياسيّة، وتهديدات أمنيّة إقليميّة، استعاد المعدن الأصفر مكانته الطبيعيّة في فترة الأزمات: ملاذ آمن، إنّما بأسعار متقلّبة.
من النّاحية الرسميّة، كل شيء يبدو طبيعيًّا نسبيًا. ووفق البيانات الجمركيّة، بلغت واردات لبنان من المعادن الثّمينة (مجوهرات، وقطع، وسبائك) نحو 2،48 مليار دولار في 2024، ما وضع البلاد في المرتبة الخامسة والعشرين عالميًّا بين مستوردي الذهب. وشكّل الذّهب، في السّنة عينها، ثاني أكثر المنتجات المستوردة من بين إجماليّ 1.153 منتجًا، فسجّل جزءًا كبيرًا من التدفّقات التجاريّة الواردة، بعد الوقود مباشرة.
أمّا بالنسبة إلى الأصول الكبرى، فتتصدّر سويسرا القائمة، إذ تبلغ وارداتها 1,19 مليار دولار، تليها الإمارات العربيّة المتّحدة (741 مليونًا)، وفنزويلا (318 مليونًا)، وليبيريا (137 مليونًا)، وباراغواي (43,6 مليونًا)، وفق منصّة مراقبة التّعقيد الاقتصاديّ (OEC) المتخصّصة في تحليل التدفّقات التجاريّة الدوليّة.

ظلّ سوق موازية: الذّهب بعيد عن السّيطرة
رغم أنّ الأرقام الرسميّة قد تبدو طبيعيّة، غير أنّ الواقع مختلف تمامًا على الأرض. بين نهاية كانون الثّاني وبداية شباط، شهدت السّوق قفزة قياسيّة في أسعار الذّهب، أعقبها هبوط حاد. ومنذ يوم السّبت الماضي، توقّفت محال تجاريّة متخصّصة كثيرة عن بيع أونصات الذّهب، وليراته، وسبائكه، الّتي كان من المعتاد شراؤها بسعرها الرسميّ الصّادر يوم الجمعة. ولم يتمكّن تجّار الجملة والمستوردون من تلبية الطّلب، ما دفع التجّار إلى تعليق المبيعات لعدم قدرتهم على ضمان التّسليم.
في ظلّ هذا الشّلل، نشأ اقتصاد حقيقيّ موازٍ، يذكّر بسيناريو التجاوزات الّتي ترافقت مع انهيار قيمة اللّيرة اللبنانيّة. وترسّخ ما يشبه “سوقًا سوداء” عبر مجموعات وشبكات غير رسميّة، تُتداول فيها الأونصة بزيادة تتراوح بين 200 و300 دولار فوق السّعر الرسميّ. بالتّالي، قد يدفع زبون يشتري عشر أونصات، ما يوازي 3.000 دولار إضافيّة، على حساب أمانه وضماناته. وبالنّسبة إلى الكثير من المهنيّين، يبدو المشهد مألوفًا للأسف: كما جرى مع أزمة الدّولار، ثمّة من يترقّب لحظات التوتّر ليصطنع سوقًا سوداء، تديرها اليوم مجموعات تنشط على تطبيق واتساب.
ليس الذّهب المتداوَل من دون حسيب ولا رقيب، بلا تبعات. فهو يفرض كلفة اقتصاديّة واجتماعيّة. ويمثّل بالنسبة إلى الدولة خسارة في الإيرادات، وعجزًا في الرّؤية في اقتصاد، كلّ دولار فيه مهمّ. أمّا بالنسبة إلى المواطنين، فيضاعف مخاطر الاحتيال، ويكرّس غياب أي وسيلة إنصاف قانونيّة. وفي الظلّ، قد يتحوّل الملاذ الآمن إلى مصيدة.
أما السّلطات، فتتحرّك على غير هدى. فالإجراءات الرقابيّة موجودة، لكنها متقطّعة، وتبقى القدرة على تتبّع المعادن الثّمينة محدودة، كما أنّ التّنسيق بين الجمارك، وقوى الأمن، والسّلطات الماليّة، ضعيف للغاية.
ويبرز خلف هذه الحركة الغامضة سؤال جوهريّ: أين تذهب حقًّا كلّ كميّات الذّهب المستوردة سنويًّا؟ يستخدم الصّاغة جزءًا منها، ويتحوّل جزء إلى التّخزين. لكنّ جزءًا آخر يتوارى عن الأنظار، ولا تلتقطه الرّادارات الاقتصاديّة، ولا يُستخدَم للتّصدير، ولا للتّحويل ولا للتّخزين، بل تمتصّه ببساطة سوق داخليّة خفيّة، فيتنصّل من أي ضرائب أو رقابة.
وفي مواجهة هذه الممارسات، الحلّ بسيط وأوحد: على المستهلكين رفض الانخراط في هذه المزايدات، وترقّب العودة إلى سوق منظّمة، تقوم على شفافية في الأسعار، وتطبيع في توزيع الذّهب.
يروي الذّهب اللبنانيّ قصّة أكبر من ذلك. ففي وطننا، لا تتقابل الأمور القانونيّة، وغير القانونيّة بشكل واضح بل تتداخلان. ويعيش الاقتصاد على الالتفاف والمراوغة، ولم تعد الثّقة تُقاس في المؤسّسات، بل في الغرامات والقراريط. وطالما الأزمة مستمرّة، سيستمرّ التّداول بالذهب بشكل رسميّ وغير رسميّ، تحت أضواء الواجهات، وفي عتمة الصّفقات الخفيّة. وفي لبنان، غالبًا ما يتخطّى حجم ما يحصل خلف الكواليس، حجم ما يخرج إلى العلن.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us