اتّفاق قضائيّ يُمهّد لنقل السّجناء السوريّين من لبنان إلى سوريا

كتبت ناتاشا متني طربيه لـ”Ici Beyrouth”:
يستعدّ لبنان وسوريا لتوقيع اتّفاق قضائيّ في السّادس من شباط، يقضي بنقل بعض الرّعايا السوريّين المحكومين والموقوفين في لبنان، إلى بلدهم الأمّ. وقد أقرّ مجلس الوزراء هذا النصّ في الثّلاثين من كانون الثّاني الماضي، مُمهّدًا الطّريق أمام عمليّة نقل تدريجيّة لأكثر من 260 سجينًا سوريًّا، من أصل نحو 2.572 آخرين، يقبعون حاليًّا في سجن رومية.
من المتوقّع أن تشمل المرحلة الأولى نحو 80 سجينًا صدرت بحقّهم أحكام نهائيّة. وستجري العمليّة على مراحل. يتعيّن أوّلًا تقديم طلبات النّقل أمام القضاء اللبنانيّ، بعد اعتماد الاتّفاق رسميًّا، بدءًا من 10 شباط، وعلى كل سجين يرغب بذلك أن يتقدّم بطلب خطيّ إلى المحكمة العسكريّة، يجري بعدها التأكّد من ملفّه، بشكلٍ فرديٍّ، للتأكّد من مطابقته المعايير المحدّدة في الاتّفاق. كما يشكّل تعليق الدّعاوى القضائيّة الجارية شرطًا مسبقًا لاستكمال الإجراءات، الّتي تتطلّب في الوقت عينه تنسيقًا لوجستيًّا دقيقًا بين سلطات البلديْن.
بعد استكمال هذه الإجراءات، يُسلَّم السّجناء المعنيّون إلى السّلطات السّورية لقضاء بقيّة محكوميّاتهم هناك.
ولا يشمل هذا النّظام في الوقت الحاليّ سوى السّجناء المحكوم عليهم بالفعل. ولا يدخل المحتجزون احتياطيًّا، أو مَن ينتظرون المحاكمة، ضمن الاتّفاق. ولا تشمل عمليّة النّقل بعض أنواع الجرائم، لا سيّما الجرائم الكبرى المتعلّقة بالأمن الوطنيّ، أو باغتيال عسكريّين لبنانيّين.
تُعيد هذه الخطوة إحياء ملفٍّ، ضاع طويلًا في متاهات العلاقات اللبنانيّة – السّورية.
ملفّ سجناء قديم وحسّاس
يُشكّل الرّعايا السوريّون واحدةً من أهمّ الفئات الأجنبيّة الموجودة في السّجون اللبنانيّة، وتُشير التّقديرات الأخيرة إلى نحو ثلث إجماليّ عدد السّجناء في البلاد. ويُعتَبرون بمفردهم أكبر جنسيّة أجنبيّة بين السّجناء في لبنان، متقدّمين بذلك على الفلسطينيّين، والجنسيّات العربيّة والآسيويّة الأخرى، بفارق شاسع.
عوامل متعدّدة تسبّبت بهذه الحالة، أبرزها تدفّق النّازحين السوريّين الهائل منذ 2011، وضعف الرّقابة على الحدود، وتوسّع شبكات التّهريب، أو النّشاطات المسلّحة في بعض المناطق، ما أدّى إلى زيادة الاعتقالات في صفوفهم. هذا بالإضافة إلى ملفّات تعود إلى مواجهات أمنيّة حصلت في مطلع الألفيّة، لا سيّما في الشّمال، وفي مخيّم نهر البارد عام 2007.
ويتوزّع السّجناء السوريّون في لبنان ضمن فئات متعدّدة، فمنهم المحكومون بجرائم جنائيّة مثل السّرقة، وتهريب المخدّرات، وتزوير الوثائق، أو الانتهاكات المتعلّقة بالتّهريب، فضلًا عن أولئك المحتجزين لأسباب أمنيّة، بما في ذلك الانتماء إلى جماعات مسلّحة، أو المشاركة في شبكات جهاديّة. ويبقى جزء مهمّ منهم محتجزًا بشكل احتياطيّ، لسنوات طويلة أحيانًا، بسبب بطء العمل القضائيّ المزمن. وقد قوّض تنوّع الحالات أيّ محاولة للتوصّل إلى تسوية شاملة، لفترة طويلة.
تبادل لبنان وسوريا مسؤوليّة هذا التّعطيل لسنوات. وطالبت سوريا بإعادة رعاياها المحتجزين، بينما شدّد لبنان على ضرورة التّمييز بين فئات الجرائم المختلفة، وحماية سيادة قضائه. كما أنّ التوتّرات السياسيّة بين البلديْن، الّتي تفاقمت جرّاء الحرب السوريّة، ثمّ الانهيار الاقتصاديّ اللبنانيّ، أعاقت أي تقدّم في المفاوضات.
وساهمت ملفّات حسّاسة أخرى، في تأخير أي تقدّم، مثل ملفّ اللبنانيّين المفقودين في سوريا منذ الحرب الأهليّة، ومسألة ترسيم الحدود، وغياب العلاقات المؤسسيّة المستقرّة بين بيروت ودمشق لسنوات طويلة.
لماذا التقدّم الآن؟
تجتمع عوامل مختلفة لتفسير المسار هذا. أوّلًا، وضع السّجون اللبنانيّة الحرج، الّتي صُمّمت لاستيعاب عدد أقلّ بكثير من النّزلاء، وغدت تعاني اكتظاظًا مزمنًا، وظروفًا ماديّة متردّية. ويفاقم وجود آلاف السّجناء الأجانب، الضّغط الذي يواجهه نظام سجون ضعيف، أنهكته الأزمة الاقتصاديّة، وشحّ الموارد. ويبدو نقل جزء من المحكومين الأجانب، بالنسبة إلى السّلطات اللبنانيّة، وسيلةً لتخفيف هذا الخناق.
يُضاف إلى ذلك تطوّر الوضع السياسيّ الإقليميّ، إذ شكّل تغيير السّلطة في دمشق، واستئناف الاتّصالات الرسميّة التدريجيّة بين الدولتَيْن، فرصةً لإعادة التّعاون القضائيّ. وقد أبدت السّلطات السوريّة الجديدة رغبتها في استعادة رعاياها المحكومين في الخارج، بينما تأمل بيروت، من جهتها، تحقيق تعاون بشأن ملفّات حسّاسة أخرى، لا سيّما ملفّ اللبنانيّين المفقودين في سوريا.
وأخيرًا، يندرج توقيع هذا الاتّفاق ضمن إطار مسار تطبيع مؤسسيّ، عبر إنشاء آليّة قانونيّة تقوم على دراسة الملفّات بشكلٍ فرديّ، بما يُجنّب البلديْن أي إجراء جماعيّ، أو تعسفيّ. غير أنّ هذه الخطوة لا تحلّ المشكلة بشكلٍ جذريٍّ؛ إذ يبقى مصير المحتجزين السوريّين، بعضهم بانتظار المحاكمة، والبعض الآخر رهن الاعتقال منذ سنوات أحيانًا، مُعلّقًا. ومن المتوقّع أن تستمرّ المباحثات بين بيروت ودمشق للبحث في هذه الملفّات، وهي من أكثر الملفّات حساسيةً على المستويَيْن القانونيّ والسياسيّ.
مواضيع ذات صلة :
الرئيس عون خلال استقباله بارو: دعم الجيش أساسي | لقاء بين رجّي وبارو… وهذا ما بُحث | قطع طريق بعلبك الدولي للمطالبة بالعفو العام |




