بين المطالب والضرائب: معركة الرواتب في قلب القطاع العام

الجدل القائم حول قدرة الدولة على تنفيذ هذه الزيادات للقطاع العام، مع تسريب أخبار عن عدم قدرة وزارة المال على صرفها إلّا بعد دراسات مفصّلة، يجب ألّا تكون ذريعةً للتهرب من الالتزامات وإرجاء تنفيذ الحقوق المشروعة للعاملين.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
عاد موظفو القطاع العام إلى أعمالهم بعد إضرابٍ دام عدة أيام، شلّ خلاله عمل المراكز الرسمية وأثّر في إنجاز معاملات المواطنين. هذا التحرّك الاحتجاجي جاء نتيجة شعور الموظفين بأنّ مطالبهم المهنية والمالية لم تُؤخذ بعين الاعتبار، وبأنّها لم تُدرج ضمن موازنة عام 2026، ممّا أثار حالةً من الاستياء داخل القطاع. يعكس هذا الإضراب التحدّيات التي يواجهها الموظفون في تحقيق حقوقهم، وفي الوقت نفسه يُسلّط الضوء على الحاجة الملحّة للحفاظ على استمرارية الخدمات العامة وضمان حقوق المواطنين. فالقضية هنا ليست مجرد خلاف مالي، بل هي توازن دقيق بين مطالب العاملين واحتياجات المجتمع، ممّا يجعل الحوار الجادّ بين الحكومة والنقابات ضرورة لتفادي أي تعطيل مستقبلي للخدمات.
بحسب بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام، فإنّ مطالب موظفي القطاع العام ترتكز إلى ثلاث أولويات أساسية. أولًا، تحقيق الحد الأدنى من العيش اللائق، من خلال إدراج 50% من أساس الراتب ضمن صلب الراتب، وإقرار زيادات دورية بنسبة 10% كل ستة أشهر، بما يضمن إعادة الرواتب إلى قيمتها الحقيقية قبل عام 2019. ثانيًا، شدّد الأسمر على أن التحرك الذي حصل أمام مجلس النواب كان خطوة مهمة للغاية، إذ أسفر عن وعود لكل من العسكريين المتقاعدين ومَن هم في الخدمة، وكذلك لرابطة موظفي القطاع العام، ما أتاح فسحةً للحوار وتنفيذ الالتزامات التي أعلن عنها رئيس الحكومة نواف سلام مع الوزراء المعنيين. أمّا ثالثًا، فأشار إلى الجدل القائم حول قدرة الدولة على تنفيذ هذه الزيادات، مع تسريب أخبار عن عدم قدرة وزارة المال على صرفها إلّا بعد دراسات مفصّلة، مؤكدًا أنه لا يجب أن تكون هذه الدراسات ذريعةً للتهرب من الالتزامات وإرجاء تنفيذ الحقوق المشروعة للعاملين.
بدوره، أوضح وزير المال ياسين جابر لـ”هنا لبنان” أن الوزارة تقوم بتقييم الوضع المالي وتحديد قدرة الحكومة على تحمّل هذه الزيادة، مؤكّدًا أنّ الموضوع لا يزال قيد الدراسة، وأنّ القرار النهائي سيُتخذ خلال شهر شباط الحالي. وشدّد جابر على أن التوجّه هو منح زيادة تشمل كامل القطاع العام، وليس فئةً واحدةً دون غيرها، في محاولةٍ لتوضيح جدّية الحكومة في معالجة مطالب الموظفين بطريقة متوازنة وشاملة.
أمّا رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة، وليد جعجع، فقد صرّح لموقع “هنا لبنان” بأنّ العودة إلى العمل جاءت لتسيير معاملات المواطنين، مؤكدًا أنّ استمرار تعطيل الدوائر سيؤدّي في النهاية إلى أن يتحمّل المواطن ثمن الخلافات الإدارية، على الرغم من أنه لا علاقة له بها. وأوضح جعجع أنّ الموظفين مستمرّون في العمل مؤقتًا في انتظار الأسبوع المقبل لتحديد الخطوات التالية لمعالجة مطالبهم، مشدّدًا على أنّ هناك احتمالًا للتصعيد خلال شهر شباط، نظرًا إلى أنّ الموظفين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في الوضع الحالي. وأكّد أن الرابطة ستواصل التصعيد إلى أقصى الحدود لضمان حقوق العاملين، مؤكدًا أن ما يُطالبون به لا يتجاوز الحدّ الأدنى للعيش الكريم، وفي الوقت نفسه يمكنهم أداء واجبهم الوظيفي بكفاءة.
تضمّ رابطة موظفي الإدارة العامة نحو 20 ألف موظف، وهو عدد يمثّل جزءًا محدودًا من مجموع العاملين في القطاع العام. إذ يضم القطاع العام بأكمله، بما في ذلك العسكريين والمعلمين والموظفين الدائمين والمتعاقدين والمياومين وغيرهم، ما يقارب 300 ألف موظف. من هنا، يترقّب الجميع الفترة المقبلة لمعرفة ما إذا كانت الحكومة ستلتزم بالوعود التي أصدرتها، أم إذا كان المشهد سيكرّر نفسه كما حصل مع سلسلة الرتب والرواتب السابقة. فزيادة الرواتب، كما يُشير مراقبون، لا يجب أن تُموَّل من جيوب المواطنين عبر الضرائب، بل من خلال سياساتٍ ماليةٍ سليمةٍ تشمل ضبط الهدر والفساد، ومكافحة التهريب، وجذب الاستثمارات، وتعزيز دخول العملة الصعبة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
موازنة 2026: بين شراء الوقت وضغوط المواطنين | الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد والسياسة… “دافوس” يكشف التحدّيات الكبرى للعالم! | جنون المعادن مستمر: الذهب والفضّة يكتبان فصلًا جديدًا في تاريخ الأسعار! |




