طرابلس تحت الأنقاض مجددًا: تضامن رسمي واسع وغضب شعبي يُطالب بالمحاسبة

تعيش مدينة طرابلس واحدةً من أكثر مراحلها قسوة، مع تكرار مشاهد الانهيارات التي تحصد الأرواح وتكشف عمق الإهمال المزمن. فخلال أيام قليلة، عاد الخوف ليُخيّم على أحياء المدينة بعد سقوط مبانٍ سكنيةٍ، في مشهدٍ لم يعد يُقرأ كحادثٍ طارئٍ، بل كإنذارٍ مستمرٍّ يضع الدولة أمام مسؤولياتها. وبين تضامن رسمي داخلي ودولي، وتصاعد غضب الشارع، تتكرّس المأساة كقضيةٍ وطنيةٍ مؤجلةٍ منذ سنوات.
أولًا: آخر المستجدات… رئاسة الجمهورية تُلغي المظاهر الاحتفالية تضامنًا
في خطوةٍ حملت دلالة سياسية ومعنوية، أعطى رئيس الجمهورية جوزاف عون توجيهاته بإلغاء مراسم التشريفات والموسيقى والاستعراضات العسكرية المقرّرة في احتفال عيد مار مارون، بما فيها مظاهر التكريم. القرار جاء تضامنًا مع معاناة أبناء طرابلس بعد الانهيارات المتكرّرة التي أصابت المدينة، وتعاطفًا مع أبناء الجنوب، ولا سيما المهجّرين من قراهم وبلداتهم. وبناءً على هذه التوجيهات، غابت مظاهر البروتوكول العسكري عن الاحتفال، فلا استعراض للقوى المسلحة، ولا تقديم للسلاح، ولا موسيقى للجيش، في رسالة رمزية تعكس أولوية الألم الوطني على أي مظهر احتفالي. وقد عُدّ هذا القرار إشارةً واضحةً إلى أن ما تعيشه طرابلس لم يعد شأنًا محليًّا، بل جرحًا وطنيًّا مفتوحًا.
ثانيًا: التربية في الواجهة… إجراءات وقائية وإيواء موقت
على المستوى التنفيذي، برز تحرّك وزارة التربية والتعليم العالي، حيث تابعت الوزيرة ريما كرامي تطوّرات الوضع في طرابلس ببالغ الحزن والأسى، معربةً عن قلقها من تكرار حوادث انهيار الأبنية وسقوط الضحايا. ومن موقعها، أوعزت الوزيرة إلى وحدة الهندسة في الوزارة بالتنسيق مع بلدية طرابلس لاستكمال مسح المدارس في المدينة، والتأكّد من سلامتها الإنشائية، وعدم وجود مخاطر ناتجة عن مبانٍ متصدّعة مُجاورة. وفي هذا السياق، جرى اتخاذ قرار بإخلاء مدرستَيْن تحيط بهما أبنية مهدّدة، ونقل التلامذة إلى مدارس آمنة حفاظًا على سلامتهم. كما وضعت وزارة التربية مبنى “الفندقية”، الذي يتّسع لنحو أربعين عائلة، بتصرّف العائلات القاطنة في مبانٍ مهدّدة بالانهيار، لاستخدامه كملجأٍ موقتٍ. وأكدت الوزيرة استعداد الوزارة لوضع أي أبنية أو مساحات شاغرة تابعة لها بتصرّف الجهات المختصة لإيواء المتضرّرين إلى حين تأمين حلول مستدامة. كذلك، وجّهت نداءً إلى إدارات المدارس الخاصّة في طرابلس والجوار التي تمتلك أبنية صالحة للاستخدام، للمساهمة في جهود الإيواء، شرط عدم التأثير في سير العام الدراسي.
ثالثًا: مواقف وتحذيرات دينية… إنذار أخلاقي قبل الكارثة
في سياقٍ متصلٍ، دعا مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان مؤسّسات الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة تجاه مواطني طرابلس، مُعتبرًا أن تكرار انهيار المباني يكشف غياب الرقابة والمحاسبة، واستمرار الإهمال المتمادي. وأكد المفتي دريان أنّ ما يجري لم يعد يُحتمل، مشدّدًا على ضرورة تحرّك فوري وسريع لوضع حدٍّ لهذه الظاهرة المؤلمة التي تذهب ضحيتها عائلات بريئة. ودقّ ناقوس الخطر بشأن المباني المهدّدة بالسقوط، داعيًا إلى إطلاق ورشة عمل فعلية تشمل مسحًا شاملًا للأبنية، وتأمين إيواء عاجل للسكان، قبل أن تقع انهيارات إضافية. كما عبّر عن تضامنه مع أهالي طرابلس المنكوبين، مقدّمًا التعازي لذوي الضحايا، ومتمنيًا الشفاء العاجل للجرحى، في موقف حمّل الدولة مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا يمكن التهرّب منها.
رابعًا: تعليقات المسؤولين… تشخيص واحد وحلول مؤجّلة
توالت المواقف السياسية والرسمية، وكلّها تقريبًا أجمعت على توصيف ما يحدث بأنّه نتيجة إهمال متراكم، وإن اختلفت في نبرة الخطاب. وزير المال ياسين جابر أكد الاستعداد للوقوف إلى جانب أهالي طرابلس، مُشدّدًا على ضرورة البدء بإجلاء السكّان من الأبنية المعرضة للخطر، وتأمين الدعم اللازم للهيئة العليا للإغاثة. وزير الإعلام بول مرقص عبّر عن تضامنه مع الضحايا خلال مشاركته في قداس عيد مار مارون، فيما اعتبر رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية أنّ البلاد تعيش دورة متكرّرة من التضامن والاستنكار، سرعان ما تُطوى في النسيان. رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي شدّد على أن الإجراءات التي كانت قد أُطلقت في الحكومة السابقة يجب أن تُستكمل، داعيًا إلى رصد أموال من الخزينة العامة لتدعيم الأبنية، ومنع التصرّف بالعقارات المهدّدة، وتأمين أماكن إيواء موقتةً طوال فترة الترميم، معتبرًا أن الوضع بلغ مرحلة تتطلّب معالجة جذرية لا تحتمل التأجيل. وزير الصناعة جو عيسى الخوري رأى أن ما يحصل ليس صدفةً، بل نتيجة إهمال طويل الأمد، مؤكدًا أن سلامة المواطنين أولوية مطلقة. كما عبّر الرئيس سعد الحريري ووالنائب سامي الجميّل عن تضامنهما مع أهالي طرابلس، مطالبين بالانتقال الفوري من الكلام إلى التنفيذ. من جهته، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري تضامنه مع طرابلس، داعيًا إلى اعتبار ملف الأبنية الآيلة للسقوط قضيةً وطنيةً بامتياز، ومشدّدًا على ضرورة الإسراع في الترميم، وتأمين الإيواء والتعويض، من دون أي تهاون.
خامسًا: التضامن الدولي… مواساة ورسائل دعم
على الصعيد الخارجي، تلقّى لبنان رسائل تضامن عدّة. فقد أجرى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي اتصالًا بنظيره اللبناني يوسف رجّي، معزّيًا بضحايا الانهيار ومتمنيًا الشفاء العاجل للمصابين. كما كتب سفير الصين في لبنان تشن تشواندونغ معبّرًا عن تضامن بلاده مع شعب طرابلس ولبنان في هذا الظرف الصعب. وفي موقف إنساني لافت، أكد المطران يوسف سويف، باسم السفير البابوي، التضامن الكامل مع العائلات المنكوبة، داعيًا إلى تحرّك فوري لتفريغ المباني المهدّدة وتأمين أماكن إيواء، ومشدّدًا على أن المسؤولية جماعية وأخلاقية أمام الله والضمير.
سادسًا: الشارع الطرابلسي… غضب مكتوم وانفجار كلامي
في مقابل سيل البيانات الرسمية، عبّر الشارع الطرابلسي عن غضب عارم وإحباط عميق. فقد رأى الكثيرون أنّ المدينة باتت ثكلى وجريحة، وقدرها أن تدفع ثمن التقصير والإهمال المتراكم منذ عقود. وانتشرت تعليقات تؤكد أن ما يحدث ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الدولة، حيث يتحوّل السقف الذي يحمي العائلة إلى “قنبلة موقوتة”. واعتبر ناشطون أن طرابلس ليست خبرًا عابرًا ولا مأساةً موقتةً، بل مدينة تُطالب بدولة تحمي أبناءها بدل الاكتفاء بالتعازي بعد كل كارثة.
ما تعيشه طرابلس اليوم ليس مجرّد سلسلة حوادث، بل إنذار أخير. فالتضامن، على أهميته، لا يوقف الانهيارات، والبيانات لا تسند الجدران المتصدّعة. المطلوب خطة وطنية واضحة، ومسح شامل، وتمويل فعلي، ومحاسبة حقيقية، قبل أن تتحوّل المأساة إلى قدرٍ دائمٍ. طرابلس لا تطلب امتيازات، بل حقًّا أساسيًّا: أن يعيش أبناؤها بأمان في بيوتهم، لا تحت تهديد السقوط في أي لحظة.
مواضيع ذات صلة :
بالفيديو – مواطنون يتجمعون في ساحة – النور طرابلس بعد كارثة باب التبانة | بالفيديو – إخلاء مبنى آيل للسقوط في طرابلس | نقابة محامي طرابلس تُحذّر: انهيار الأبنية جريمة إهمال وتلوّح بمساءلات قانونية شاملة |




