عيد مار مارون بين الإيمان والدولة: رسالة الحرية في زمن الأزمات

لبنان 9 شباط, 2026

يحلّ عيد مار مارون هذا العام في لحظة لبنانية دقيقة، تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع أسئلة كبرى حول هوية الدولة، ومعنى البقاء، ودور الجماعات المؤسّسة للبنان في حماية رسالته التاريخية. وبين البُعد الرّوحي للمناسبة، والمواقف السياسية التي رافقتها، عاد العيد ليشكّل مساحةً جامعةً لاستحضار قيم الحرية، والكرامة، والثبات، في بلدٍ يتخبّط بين الجراح المفتوحة والآمال المؤجّلة.

في كلمته بالمناسبة، أعرب رئيس الجمهورية جوزاف عون عن أمله في أن يشكّل عيد مار مارون يومًا وطنيًّا جامعًا، يستعيد فيه الموارنة وجميع اللبنانيين مُثُل لبنان كـ”وطن الرسالة والرسالات”، وأرض القديسين والصدّيقين، وموئل الأحرار الذين دافعوا عن الإيمان والحرية. وأكد الرئيس عون أنّ التضحيات الكبيرة التي قدّمها اللبنانيون يجب أن تُفضي إلى وطن حرّ يتوق إليه الجميع، وسيادة ناجزة، ودولة عادلة ومتوازنة تضمن للجيل الجديد حقوقه في النجاح والإشعاع على أرض لبنان. وهنّأ الموارنة وجميع اللبنانيين بالمناسبة، معتبرًا أنّها محطة لاستعادة معاني التضحية والفضائل والبطولات الإنسانية. ولم يغفل رئيس الجمهورية الواقع المأساوي الذي يعيشه لبنان، متمنيًا أن يعود العيد وقد التأم جرح الجنوب وعاد الاستقرار إلى ربوعه، مع عودة الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم. كما تطرّق إلى المآسي المتكرّرة في طرابلس نتيجة انهيار الأبنية المتهالكة، معتبرًا أنّ ما حصل كان يمكن تفاديه لو اتخذت الجهات المعنية الإجراءات الاحترازية المناسبة، ومعبرًا عن تضامنه العميق مع ذوي الضحايا، وخصوصًا الأطفال الذين فقدوا حياتهم، داعيًا للصلاة من أجل راحة أنفسهم.

على المقلب الآخر، تنوّعت مواقف النواب، لكنّها التقت عند التأكيد على البُعد التاريخي والوطني للمارونية، وعلى مسؤولية الحاضر في ترجمة هذا الإرث.
النائب راجي السّعد رأى في عيد مار مارون حكاية إيمان وتاريخ جماعة حفرت الصخر للحفاظ على تعلّقها بإيمانها وأرضها ووطنها، متمنيًا أن يعود العيد على اللبنانيين بوطنٍ ودولة تليق بمستقبل أولادهم.
بدوره، شدّد النائب نديم الجميّل على أن خيار الحرية لا يزال نهجًا ثابتًا، وأن الكرامة تشكّل هويةً لا تنازل عنها، معتبرًا أن البقاء في لبنان هو فعل إيمان، على الرغم من كل الصعوبات، لأنّ فيه الجذور والرسالة والمستقبل.
من جهته، شدّد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، في بيان مطوّل، على أنّ ذكرى عيد مار مارون مناسبة وطنية وروحية لاستحضار مسيرة جماعة نضالية تمسّكت بحريتها وكرامتها ووجودها، ورفضت الخضوع أو الذوبان أو الإلغاء. واعتبر أن الموارنة شكّلوا نموذجًا لجماعةٍ متجذّرةٍ في أرضها ومنفتحة على الآخرين، مؤمنةً بأن التعدّدية تحصّن الأوطان ولا تضعفها. كما أشار إلى الدور الريادي للموارنة في بناء لبنان الحديث، وفي نشر الثقافة، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومواجهة المشاريع التي حاولت ضرب لبنان أو إلحاقه بمحاور تتناقض مع قيمه. وختم بالتأكيد أنّ الدولة القوية والعادلة تبقى الضامن الوحيد لوجود جميع اللبنانيين.
أمّا رئيس تيار المردة، سليمان فرنجية فاختصر موقفه بدعاء روحي، معتبرًا أنّ الإيمان المستمدّ من زهد وصبر مار مارون يشكّل مصدر حماية للبنان في هذه المرحلة الصعبة.
واعتبر النائب زياد حواط أن رسالة مار مارون في الثبات والحرية والانفتاح لا تزال خريطة طريق صالحة في زمن قيام الدولة، مشددًا على أنّ هذه القيم هي الأساس الذي قام عليه لبنان، ومن دونها يفقد مبرر وجوده.
النائب سليم الصايغ طرح مقاربةً فكريةً أعمق، متسائلًا عن معنى أن يكون الإنسان مارونيًّا في الزمن الحاضر، وعن الدور والمسؤولية، معتبرًا أن الإجابة عن هذه الأسئلة تقود إلى فهم أوسع لمعنى أن يكون الإنسان لبنانيًّا. ولفت إلى الحضور اللافت لاسم لبنان في الصلوات والتراتيل المارونية، وإلى كثافة القدّيسين الموارنة عبر التاريخ، معتبرًا أن هذه الأسئلة موجّهة بشكل خاص إلى السياسيين الموارنة، لأن غياب الإجابة يُفرغ السياسة من معناها.
من جهته، كتب النائب طوني فرنجيه أنّ درب القديس مارون كان درب حقّ ونور، معتبرًا أنّ هذا النّور يتجسّد اليوم بالحقيقة والحوار والانفتاح وبناء مؤسسات الدولة، فيما يتحقّق الحق عبر العدالة بين جميع المكوّنات، وحماية الضعفاء والمهمّشين، من المعرّضين للموت في منازلهم إلى المتقاعدين العسكريين، وصولًا إلى كلّ مواطن يطالب بأبسط حقوقه.
في السّياق نفسه، رأى رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل في سيرة مارون الناسك مصدر إلهام للحرية والتجذّر بالأرض والانفتاح على الآخر، معتبرًا أن وجود الموارنة مرتبط بوجود لبنان، الذي لا يُحمى إلّا عبر استنهاض دولة مدنية موحّدة بأرضها، لامركزية بإدارتها، محرّرة من التبعية والفساد، ومحميّة بجيشها الوطني.

يأتي عيد مار مارون هذا العام مُحمّلًا بأسئلة كبرى تتجاوز الطقوس والاحتفالات، لتلامس جوهر الكيان اللبناني. فبين الإيمان والدولة، وبين التاريخ والمسؤولية، تتقاطع المواقف على حقيقة واحدة: أنّ القيم التي قام عليها لبنان لا تزال صالحةً، لكن حمايتها تتطلّب دولة عادلة، ومؤسسات فاعلة، وخيارات سياسية تترجم الأقوال إلى أفعال. في زمن الانهيارات، يبقى عيد مار مارون تذكيرًا بأن الحرية ليست شعارًا، بل مسارًا طويلًا من النضال، وبأن لبنان لا يُحفظ بالحنين، بل بالفعل والمسؤولية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us