مأساة طرابلس: ما هي تفاصيل خطّة الحكومة؟!

ترجمة هنا لبنان 10 شباط, 2026

ترجمة “هنل لبنان”

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

يبدأ التحرّك الرسميّ في لبنان بعد وقوع الفاجعة. هذه هي الحال في طرابلس، حيث لم تتدخّل السّلطات إلّا بعد أن حصدت الكارثة أرواحًا كثيرةً. ففي يوم الاثنين، أي بعد مرور يوم واحد على انهيار مبنى في باب التبّانة، أسفر عن مقتل 14 شخصًا، وإصابة آخرين بجروح، أعلنت حكومة نوّاف سلام عن خطّة طوارئ تهدف إلى حماية السكّان وتأمين المدينة.

واتُّخذ القرار هذا في اجتماع طارئ، عُقد في السّراي الكبير، بعد انهيارَيْن شهدتهما طرابلس في فترة لا تتجاوز الأسبوعيْن. وقد فجّرت المأساة موجة غضب عارمة في المدينة، وأعادت إلى الواجهة الاتّهامات الموجّهة إلى السّلطات بالإهمال، والتّقصير في التّعاطي مع مخزون عقاريّ قديم ومتدهور إلى حدٍّ كبيرٍ. وقد أشار آخر إحصاء بلديّ عام 2024، إلى وجود أكثر من مئة مبنى متصدّع، أو مهدّد بالانهيار. فما هي الإجراءات العمليّة الّتي تتضمّنها خطّة حكومة سلام؟

إخلاء عاجل ضمن مهلة زمنيّة ضيّقة

ينصّ الإجراء على إخلاء 114 مبنًى سكنيًّا مهدّدًا، بالتّنسيق مع بلديّة طرابلس. ولم تحدّد السلطات بعد، بشكل دقيق، عدد العائلات المعنيّة، ولا مواقع المباني، غير أنّ عمليّة الإخلاء انطلقت فعليًّا صباح الثّلاثاء.

أمّا مهلة تنفيذ عمليّة الإخلاء هذه، فشهر واحد، ما يدلّ على طابع المسألة الملحّ. غير أنّ تساؤلاتٍ جديّةً تُطرح، في المقابل، حول مدى إمكان تطبيقها في مدينة تعاني أصلًا أزمة سكن مزمنة، وظروف اجتماعيّة هشّة. وتعهّدت الدولة بتحمّل تكاليف الإيواء، من دون توضيح آليّة تنفيذ هذه المساعدة، أو مدّتها. بالتّوازي، أنشأت لجنة إدارة الكوارث في شمال لبنان شبكةً من مراكز الإيواء الموقّت، مع إمكان فتح أخرى عند الحاجة. لكنّ هذه الخطوة تبقى مرحليّةً، ريثما تُعتمد حلول إعادة إسكان أكثر استدامة.

دعم اجتماعيّ يقدّمه برنامج “أمان”

على الصّعيد الاجتماعيّ، ستُضاف أسماء العائلات الّتي أخلت منازلها إلى برنامج الحماية الاجتماعيّة “أمان”، المموّل من البنك الدوليّ، الّذي يقدّم بدوره مساعدات ماليّة لآلاف العائلات في مختلف المناطق اللبنانيّة. وستتولّى وزارة الشّؤون الاجتماعيّة تنفيذ هذه الخطوة.

يُشكّل برنامج “أمان”، الّذي انطلق عام 2022 في سياق مواجهة الانهيار الاقتصاديّ الحادّ، وتفاقم معدّلات الفقر، شبكة أمان اجتماعيّ مموّلة من البنك الدوليّ، الّذي يُجري تحويلات نقديّة شهريّة للعائلات الأكثر فقرًا، بهدف مساعدتها على تأمين احتياجاتها الأساسيّة.

على الأرض، تُستكمَل العمليّة بخطوتَيْن مكمّلتَيْن. من جهة، تنشر وزارة الصحّة فرقًا طبيّةً لتقييم احتياجات العائلات المتضرّرة بسرعة، وقد تُنشَأ نقاط رعاية صحيّة موقّتة، فيما يتلقّى الجرحى العلاج اللّازم. وستتولّى الفرق توزيع الأدوية، والضّمادات، ومستلزمات الاسعافات الأوليّة، بالإضافة إلى تزويد الضّحايا بدعم نفسيّ، لا سيّما الأطفال، وكبار السنّ، والفئات الأكثر هشاشة.

من جهة أخرى، ستُركّز الهيئة العليا للإغاثة على تقييم المباني. وسيُحدّد خبراء البناء، المباني الّتي يمكن تدعيمها، وتلك الّتي تشكّل خطرًا داهمًا. أمّا المباني القابلة للتّرميم، فستُدعَّم، وتُثبَّت جدرانها، وأساساتها، تفاديًا لأي انهيار محتمل، فيما تُهدم المباني المتضرّرة إلى حدّ كبير بطريقة تراعي السّلامة العامة. وسيُفرض طوق أمنيّ صارم حول المواقع المعنيّة، مع تحديد المُحيط بشكل واضح، بما يُتيح عودة السكّان، بشكل تدريجيّ، إلى المناطق المصنّفة آمنة، مع ضمان سلامة فرق الإغاثة والأهالي.

في موازاة ذلك، سيستمرّ إحصاء المباني المُعرّضة لخطر الانهيار بالتّنسيق مع نقابة المهندسين، فيما سيُجري مجلس الإنماء والإعمار تقييمًا شاملًا لحالة البنى التحتيّة في مدينة طرابلس، لا سيّما شبكات المياه، والصّرف الصحيّ. وفي تصريح أدلى به لموقع “Ici Beyrouth”، أوضح رئيس المجلس، محمّد قبّاني أن المجلس بصدد إعداد خريطة طريق، تهدف إلى تحديد أولويّات المناطق الّتي تستدعي مبانيها تدخّلًا عاجلًا، بالتّوازي مع إجراء تقييم شامل للبنى التحتيّة في المدينة.

أزمة تتجاوز حالة الطّوارئ

تراجع يوم الثّلاثاء رئيس بلديّة طرابلس، عبد الحميد كريمة، عن قراره بالاستقالة. ففي اليوم السّابق، وصف المدينة بـالمنطقة “المنكوبة” الّتي تفتقر إلى الإمكانات الكافية، مشيرًا إلى عجز السّلطات المحليّة عن إدارة المخزون العقاريّ القديم من دون دعم الدولة المركزيّة الماليّ والتقنيّ. مع ذلك، اعتبر أنّ موقفَيْ كل من رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، ورئيس الحكومة نوّاف سلام، يعكسان تصميمًا حقيقيًّا على معالجة الوضع في طرابلس، ما دفعه إلى التّراجع عن استقالته، والسّماح باستمرار العمل بالتّنسيق مع الدولة، والسّلطات المعنيّة.

وأكّد كريمة القيام بتفتيشات فوريّة، متعلّقة بالمباني الّتي تتطلّب تدخّلًا عاجلًا، إلى جانب جردٍ شاملٍ لجميع مباني المدينة، يهدف إلى تحديد المخاطر، ومعالجتها قبل تفاقمها.

وفي هذا الإطار، بَيَّنَ وفدٌ ضمّ مسؤولين محليّين في طرابلس، بعد لقاءٍ مع رئيس الجمهوريّة، حجم الكارثة، وضرورة تقديم دعم ماليّ عاجل. ولم يتردّد رئيس الدولة في التّواصل مع شركاء دوليّين، وصناديق متعدّدة، لتأمين أكبر قدر ممكن من المساعدات.

وناشد الوفد كلّ من يستطيع تقديم المساهمة إلى عدم التردّد، ووجّه نداء صريحًا إلى الدّول العربيّة، والمجتمع الدوليّ، مؤكّدًا أنّ الوضع في طرابلس بالغ الخطورة، ويتطلّب تدخّلًا سريعًا لحماية السكّان، ومنع تفاقم الكارثة.

في الوقت الرّاهن، ترتكز الخطّة الحكوميّة إلى إدارة حالات الطّوارئ بشكل فوريّ: الإخلاء، والإيواء، وتقديم المساعدة. وتبقى مسألة إعداد برنامج شامل لإعادة تأهيل المباني القديمة في طرابلس، وعلى نطاق أوسع في مدن لبنانيّة أخرى تواجه مخاطر مماثلة، قائمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us