تبادلات اقتصاديّة بين لبنان وسوريا: إعادة ضبط ميزان القوى

ترجمة هنا لبنان 11 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth“:

لا تسير العلاقات بين لبنان وسوريا دائمًا بسلاسة، فالرّوابط “الأخويّة” بين البلديْن تتجاوز الطّابع التقليديّ، إذ تحتلّ سوريا موقعًا جيوسياسيًّا حيويًّا بالنسبة إلى لبنان، وتشكّل محورًا استراتيجيًّا لا غنى عنه، لا سيّما في ما يتعلّق بالنّقل البريّ نحو العمق العربيّ.

تخضع التّبادلات الاقتصاديّة بين لبنان وجارته الأقوى سوريا، لاتّفاقيات غير متكافئة، سادت تحت حكم نظام بشّار الأسد السلطويّ. ومع تغيّر النّظام، ووصول أحمد الشّرع إلى سدّة الرّئاسة، أصبحت الحاجة إلى مراجعة هذه الاتّفاقيّات ملحّة. من هنا، يطالب الفاعلون الاقتصاديّون اللبنانيّون بإرساء عدالة رسميّة، تفرض مبدأ المعاملة بالمثل في إطار علاقات ثنائيّة، قائمة على اتفاقيّات رسميّة.

قرّرت السّلطات السوريّة يوم السّبت الماضي، منع دخول جميع المركبات غير السوريّة إلى أراضيها، باستثناء شاحنات العبور. رسميًّا، تشمل هذه الإجراءات الدول كافة، وتندرج في إطار إعادة تنظيم النّقل البريّ للبضائع. أمّا لبنان، فاعتاد على قرارات من هذا النّوع، شكّلت في السّابق سيف داموكليس، الّذي تستخدمه سوريا لممارسة الضّغوط وفق ما تقتضي مصالحها.

تدفّق الصّادرات المضطرب
على أرض الواقع، تفرض الإجراءات الّتي تمنع دخول المركبات غير السوريّة إلى الأراضي السوريّة، باستثناء شاحنات العبور، على السّائقين اللبنانيّين، لا سيّما أولئك الّذين ينقلون المنتجات الزراعيّة سريعة التّلف، نقل شحناتهم إلى شاحنات سوريّة مباشرة عند الحدود.
ويسبّب هذا القرار اضطرابًا كبيرًا في عمل أسطول النّقل البريّ اللبنانيّ، خاصّة أنّ أي بنية تحتيّة عاجزة عن استيعاب هذا الكمّ من الشّاحنات. وبما أنّ تدفّقات التّصدير تتركّز على عدد محدود للغاية من نقاط العبور، لا سيّما معبريْ المصنع من الجانب اللبنانيّ، وجديدة يابوس من الجانب السوريّ، يصبح الازدحام أمرًا حتميًّا، مع ما يرافقه من خطر تلف البضائع المنقولة.

منافسة غير عادلة
يفرض هذا الإجراء منافسة غير عادلة: إذ تتجوّل الشّاحنات السوريّة بحريّة في لبنان من دون دفع أي رسوم، بينما تخضع الشّاحنات اللبنانيّة المسموح لها بدخول سوريا، وعددها نحو مئة شاحنة، لرسوم مرتفعة جدًّا. ويشير بسّام طليس، رئيس الاتّحادات ونقابات النّقل البريّ في لبنان، إلى ظهور سوق سوداء تورّط فيها وسطاء لبنانيّين وسورييّن. وأصبحت الشّاحنات اللبنانيّة سلعة للمضاربة والتّأجير، ما يغذّي سوقًا موازية، يسيطر عليها وسطاء خارجين عن القانون، على جانبيْ الحدود.

سيّارات الأجرة وحافلات النّقل العام
الأسوأ من هذا أنّ المشكلة عينها تنطبق على قطاع السّياحة، حيث يُمنع عمل المركبات السياحيّة العامة اللبنانيّة في سوريا، بينما تتجوّل المركبات العامة السوريّة بحريّة تامّة في لبنان، وحتّى أنّها تنقل الركّاب إلى مطار بيروت. من هنا، تبرز أهميّة التوصّل إلى اتّفاق دائم، يمكن تعديله عند الضّرورة.

تبادلات تجاريّة منحازة
يستمرّ الخلل الكبير على مستوى التّبادلات التجاريّة الثنائيّة، بسبب تفاوت الأنظمة الجمركيّة النّافذة على صعيد البلديْن. يفرض لبنان رسومًا جمركيّة على الواردات من الخارج، تتراوح بين 5% و40%، بينما فُرض في سوريا، بعد وصول السّلطة الجديدة، إعفاء كامل من الرّسوم، مصحوب بضرائب معتدلة على الطنّ الواحد. تسمح هذه الفجوة بدخول منتجات أجنبيّة إلى لبنان، عبر سوريا، معفيّة من أي رسوم، ما يتعارض مع المصالح الاقتصاديّة اللبنانيّة، علمًا أنّ لبنان يعتمد على رسوم مرتفعة لحماية سوقه المحليّة. بالتّالي، يهدّد تدفّق هذه المنتجات بأسعار منخفضة بإلحاق أضرار جسيمة بالصناعيّين والتجّار اللبنانيّين على حدّ سواء.

الميزان التجاريّ
استورد لبنان من سوريا، في خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025، نحو 111 مليون دولار، منها 30% من الفاكهة والخضار، ومنتجات الألبان والحيوانات الأليفة، و70% من البضائع الصناعيّة مثل الأحذية، والملابس، والصّابون، والإسمنت، والزّجاج، ومراتب النّوم. وفي الفترة عينها، بلغت صادرات لبنان إلى سوريا نحو 150 مليون دولار، منها 50% من الفاكهة، والخضار، والتّبغ، والسّجائر، فضلًا عن منتجات الألبان، بينما يشمل الباقي المشروبات الغازيّة، والجلود، والمواد البلاستيكيّة، والأثاث، والمنتجات الورقيّة، والمعدّات، والآلات. في الظّاهر، يميل الميزان التجاريّ لصالح لبنان، إلّا أنّ هذا الانطباع مضلّل، إذ تجري عمليّات التّهريب بمعظمها من سوريا إلى لبنان، وليس العكس.
في المستقبل، يتعيّن أن تقوم الاتفاقيّات التجاريّة والصناعيّة بين لبنان وسوريا على أساس توحيد المعايير الدوليّة، وشهادات التّصدير، والأنظمة الجمركيّة. وفي حال عدم تحقيق هذا الانسجام، سيستمرّ الخلل، لتتحوّل السّوق السوريّة إلى العامل الأخطر الّذي يهدّد الاقتصاد اللبناني.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us