آليّات جديدة لاتفاق تشرين؟!


خاص 12 شباط, 2026

يربط نتنياهو أي تقدّم في خطة لبنانية لإعادة الإعمار والحصول على التمويل الدولي اللازم لذلك بالخلوّ الكامل والمؤكّد للقرى من أي مظاهر مسلحة أو أنفاق. وهذه الرسالة تدركها الدولة اللبنانية تمامًا. ولذلك، فإنّ الوعود التي أطلقها الرئيس نوّاف سلام من الجنوب، ببدء تأهيل البُنى التحتية خلال أسابيع، لا يمكن الوفاء بها واقعيًّا.

كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

أيًّا يكن شكل التفاهمات التي ستتمّ حول إيران في لقاء القمة الأميركي – الإسرائيلي، فإنّ ما يريده بنيامين نتنياهو في الجنوب اللبناني يرجّح أن يحظى بالتفهّم من جانب واشنطن. فالجانبان يتوافقان على أنّ المطلوب هو صيغة تمنع نهائيًّا عودة “حزب الله” أو أي جماعة مسلحة أخرى إلى العمل في الجنوب. وإذا لم يتحقّق ذلك بضمانٍ كاملٍ من جانب الجيش اللبناني، بدعم من القوات الدولية التي ستُنهي عملها في نهاية هذا العام، فيمكن أن تقوم بهذه المهمة قوات متعدّدة الجنسيات، بقيادة أميركية. ولكن في أي حال، تُطالب إسرائيل بأن يكون لها الحقّ في العمل المباشر في الجنوب اللبناني للحصول على الضمانات الكاملة، وأيًّا كانت الظروف.

ولطالما تمّ التداول في إسرائيل بوجود رغبة لدى العديد من أركان حكومة نتنياهو في إعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان، من خلال الحصول على “تفويض تنفيذي” من الولايات المتحدة يحوّل اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 إلى أداة ضغط دائمة، تستند إلى تفاهم جديد، يطوّر الورقة المشتركة التي اعتُبرت مُلحقًا بالاتفاق يوم التوقيع عليه، فيصبح طابعها تنفيذيًّا مباشرًا.

وبديهي أن يستفيد نتنياهو من المعلومات التي تمّ توثيقها على مدى أشهر في الجنوب، وآخرها عثور الجيش اللبناني على نفق ضخم لـ”حزب الله”، جرى كشفه وتعطيله بطلب من لجنة “الميكانيزم”. فعلى الرغم من إشادة واشنطن بالجيش، بسبب تنفيذه هذه المهمة، فإنّ هذا الحادث يُعتبر فرصة ذهبية لنتنياهو كي يثبت للأميركيين وجهة النظر الإسرائيلية القائلة إنّ “حزب الله” ما زال يتحرّك في جنوب الليطاني ويحاول إعادة بناء قدراته، وهو ما يستدعي حصول إسرائيل على اعتراف أميركي جديد بأنّ لها الحقّ في تنفيذ ضربات أو توغّلات خاطفة (كما حدث قبل أيام) لتدمير أي بُنية تحتية تظهر مجدّدًا، من دون اعتبار ذلك خرقًا لاتفاق تشرين، بل إنّه يكون جزءًا من تفاهم متفق عليه في الرسائل الجانبية. وحتّى اليوم، اكتفت إسرائيل بتنفيذ عملياتها مستخدمةً المُسيّرات والطائرات المقاتلة، ولكنّها ترغب في الحصول على التغطية اللازمة لتنفيذ عمليات التوغّل أيضًا، عندما يقتضي الأمر ذلك.

في الموازاة، يُطالب الإسرائيليون بتكثيف الرقابة على الحدود اللبنانية – السورية. ومن الواضح أنّ إسرائيل تعمّدت في الأيام الأخيرة تظهير مخاطر تسلّل السلاح عبر نقاط الحدود جنوبًا، إذ نفّذت عمليات توغل وخطف واغتيال في قرى حدودية، طاولت أيضًا “الجماعة الإسلامية”. وللتذكير، فإنّ إسرائيل تلجأ إلى عمليات عسكرية خاطفة في الداخل السوري أيضًا، ولا سيما جنوبًا. وفي اليوم التالي، جاء البيان الصادر عن الجيش الإسرائيلي، والذي يتحدّث عن ارتباط بين خلايا ناشطة في الضفة الغربية وعناصر أخرى في لبنان، على علاقة بـ”حماس”. وهذا التشابك في العناصر بين لبنان وسوريا والضفّة وغزّة لا بدّ أن يستخدمه نتنياهو للمطالبة بقطع المعابر وتجفيف منابع السلاح والعناصر في اتجاه لبنان، والذي يكون غالبًا عبر الحدود السورية. ويعتقد البعض أن نتنياهو سيُطالب مجدّدًا بتثبيت منظومة مراقبة تقنية، بإشراف أميركي مباشر، ومن خلال الميكانيزم نفسها، على المعابر الحدودية مع سوريا. وهذا يقتضي توسيع الهامش المخصّص لعمل هذه اللجنة ليشمل شمال الليطاني أيضًا.

وفي الموازاة، يربط نتنياهو أي تقدّم في خطة لبنانية لإعادة الإعمار والحصول على التمويل الدولي اللازم لذلك بالخلوّ الكامل والمؤكّد للقرى من أي مظاهر مسلحة أو أنفاق. وهذه الرسالة تدركها الدولة اللبنانية تمامًا. ولذلك، فإنّ الوعود التي أطلقها الرئيس نوّاف سلام من الجنوب، ببدء تأهيل البُنى التحتية خلال أسابيع، لا يمكن الوفاء بها واقعيًّا. فمن المعروف أن إسرائيل لن تسمح بإعادة الإعمار، وهي أبلغت الجميع بذلك في شكل واضح، بل إنّها تتعمّد ضرب المنشآت الهندسية والجرافات، حتى في المناطق البعيدة نسبيًّا كالزهراني، لإفهام المعنيين بأن لا مجال للإعمار قبل الانتهاء تمامًا من ملف السلاح والترتيبات المطلوبة.

ستؤدّي مطالب نتنياهو، إذا تمّ التفاهم عليها في واشنطن، إلى توسيع صلاحيات الميكانيزم، فتتحوّل من مراقب للانتهاكات إلى جهاز تفتيش حقيقي، يملك صلاحية المداهمة لأي موقع يشتبه به، بما في ذلك المساكن، إذا تقدّمت إسرائيل بمعلومات عن وجود أهداف فيها، إضافةً إلى توسيع مهامّ هذه اللجنة. وهذا سيؤدّي كذلك إلى تطوير اتفاق تشرين ليصبح، واقعيًّا، اتفاقًا على ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنح إسرائيل القدرة الكاملة على التحكّم بالميدان.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us