هل من أمل في عكس أضرار التصلّب المتعدّد؟!

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
ماذا لو كان دواء معروف بالفعل قادرًا على قلب المعادلة بالنّسبة إلى التصلّب المتعدّد؟
فقد كشف الباحثون، في نماذج تجريبيّة لدراسة جرت حول جزيء لعلاج اضطّرابات النّوم، وفرط الحركة، وتشتّت الانتباه، بأنه يحمي الخلايا العصبيّة ويعزّز إصلاح الميالين، وهما تحدّيان رئيسيّان لم يحلّهما الطبّ حتّى الآن.
التصلّب المتعدّد (SEP) مرض عصبيّ شديد التّعقيد، جرى التطرّق إليه طويلًا من منظور واحد ضيّق: الالتهاب. وحقّقت العلاجات على مدى ثلاثين عامًا، تقدمًا كبيرًا في الحدّ من انتكاساته، وتنظيم نشاط الجهاز المناعيّ. مع ذلك، يحتاج سؤال أساسيّ إلى إجابة: كيف يمكن حماية الخلايا العصبيّة بشكل دائم، وإصلاح الميالين المدمَّر؟ وهنا بالتّحديد، يبرز اكتشاف حديث، يستقطب اهتمامًا متزايدًا في الوسط العلميّ.
يعتمد هذا الجزيء، المعروف من الباحثين منذ زمن، والخاضع لاختبارات سابقة في سياق اضطّرابات النّوم واضطّراب نقص الانتباه، مع أو من دون فرط النّشاط، في آليّته، على النّظام الهيستامينيّ المرتبط باليقظة، والانتباه، والوظائف الإدراكيّة. ولم يكن له أي صلة، منذ البداية، بعلم الأعصاب الالتهابيّ. مع ذلك، كشف عمل واسع في الغربلة الدوائيّة، قادته فرق أوروبيّة ودوليّة، عن إمكانات علاجيّة غير متوقّعة في نماذج التصلّب المتعدّد، ما يفتح آفاقًا جديدة، ويثير اهتمامًا متناميًا في الوسط العلميّ.
تمثّل هذه الدّراسة مثالًا بارزًا على استراتيجيّة إعادة توظيف الأدوية: فبدل ابتكار جزيئات جديدة من الصّفر، تجرى الاختبارات على ما هو معروف أصلًا، بملفّ أمنيّ محدّد جزئيًّا، لأغراض علاجيّة جديدة. في هذا السّياق، جرى تحليل أكثر من 1,500 جزيء لتحديد الجزيئات القادرة على مواجهة اثنيْن من أبرز تحدّيات التصلّب المتعدّد: التنكّس العصبيّ، وفشل إعادة تكوين الميالين.
لا يقتصر التصلّب المتعدّد على هجوم مناعيّ ضد الميالين؛ فمع تقدّم المرض، تتضرّر الخلايا العصبيّة بحدّ ذاتها، ما يؤدّي إلى إعاقة لا رجوع عنها. ومع أنّ معظم العلاجات الحاليّة تُبطئ الالتهاب من دون وضع حدّ جذريّ لفقدان الخلايا العصبيّة، يتفرّد الجزيء المُكتشف حديثًا بفعاليّته المزدوجة: حماية الخلايا العصبيّة، وتحفيز إعادة تكوين الميالين.
وأظهر الباحثون في نماذج تجريبيّة للتصلّب المتعدّد، خصوصًا لدى الفئران، تحسّنًا كبيرًا في إعادة تكوين الميالين: استعادت الألياف العصبيّة بسرعة غلافًا وظيفيًّا يضمن انتقال السيالات العصبيّة، فيما بدت الخلايا العصبيّة أقلّ عرضة للتنكّس. وتُعتبر هذه المزاوجة النّادرة ثمينةً، لأنّ معظم العلاجات السّابقة ركّزت على أحد الجانبيْن فحسب. وعلى الرغم من غياب أي توضيح متعلّق بالآليّة الدّقيقة حتّى الآن، تشير البيانات الأوليّة إلى عمل غير مباشر على بيئة الجهاز العصبيّ المركزيّ الخلويّة، حيث يعدّل الجزيء بعض المستقبلات ليهيّئ سياقًا أكثر ملاءمةً لبقاء الخلايا العصبيّة، ونشاط الخلايا المنتجة للميالين الجديد. لسنا هنا بصدد “علاج سحريّ”، بل ضبط التّوازنات البيولوجيّة الضروريّة للإصلاح، بشكل دقيق.
تكمن أهميّة هذا الاكتشاف في طابعه العمليّ. ولأنّ دراسة الجزيء لدى الإنسان، في مؤشّرات أخرى، سبق أن حصلت، يمكن نظريًّا تسريع بعض مراحل التّطوير الدوائيّ. هذا لا يدلّ على اكتساب فعاليّته في التصلّب المتعدّد، وتقتصر النّتائج على المرحلة ما قبل السريريّة. وكما هو شائع في علم الأعصاب، يمثّل الانتقال من النّموذج الحيوانيّ إلى الواقع البشريّ مرحلةً دقيقةً، محفوفةً بإخفاقات سابقة. لذا يدعو الباحثون إلى توخّي الحذر، وإجراء تجارب سريريّة دقيقة قبل استخدامه لدى المرضى، لتحديد القدرة على التحمّل على المدى الطّويل، والجرعة المثلى، والأثر الحقيقيّ في تطّور المرض. فحماية الخلايا العصبيّة في المختبر لا تعني بالضّرورة تحسّنًا وظيفيًّا لدى أشخاص يعانون التصلّب المتعدّد منذ عشرات السّنين في بعض الأحيان.
على الرغم من هذه التحفّظات، يحمل هذا الاكتشاف تحوّلًا في الرّؤية. ويشكّل تطوّرًا مهمًّا في الأبحاث المتعلّقة بالتصلّب المتعدّد، فلم يعد يقتصر على تخفيف الالتهاب، بل يسعى أيضًا إلى الإصلاح. تندرج هذه المقاربة ضمن حركة أوسع، تهدف إلى تحويل المرض من حالةٍ تتقدّم بلا هوادة، إلى مرض يمكن، على الأقلّ، تعويض بعض أضراره.
وإذا أثبت هذا الجزيء، أو غيره، فعاليةً لدى الإنسان، قد يُضاف إلى العلاجات الحاليّة، لا سيّما عند المرضى الّذين أصبح الالتهاب لديهم تحت السّيطرة، لكنّ الإعاقة مستمرّة في التّفاقم. يبقى الطّريق طويلًا، لكنّ الإشارة واضحة. يتجاوز إصلاح الجهاز العصبيّ حدود الأمل النظريّ. ففي العلم، كثيرًا ما تفاجئنا الاكتشافات الكبرى، وقد يعبّد جزيء مألوف طريقًا جديدًا، ليس بالضّرورة نحو الشّفاء، إنّما نحو حماية وإصلاح، اعتُبرا بعيديْ المنال لفترة طويلة.
المصادر
– معهد الدّماغ: أعمال حول تحديد الجزيئات الّتي تعزّز إعادة تكوين الميالين في التصلّب المتعدّد (SEP).
– مؤسّسة شاركو: ملفّات حول الحماية العصبيّة وإصلاح الميالين.
– مجلّة “Nature Reviews Neurology”: تحليلات حول استراتيجيّات إعادة تكوين الميالين، والحماية العصبيّة في التصلّب المتعدّد.
مواضيع ذات صلة :
الحمل والتصلّب المتعدّد: تحدّيات الصحة العقلية وأهمية الرعاية المتخصّصة |




