هل لبنان دولة قابلة للحياة؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتب شارل شرتوني لـ”Ici Beyrouth“:
تعيدنا رداءة الأداء الحكوميّ، وانحرافات الحياة السياسيّة، وتناقضات المؤسّسات اللبنانيّة المتعدّدة، وغياب أي محاسبة، ولا مبالاة طبقة سياسيّة تتصرّف بإفلات كامل من العقاب، غير آبهة بالدستوريّة أو بمقتضيات دولة القانون، إلى تناقضات الثّقافة السياسيّة السّائدة. ليست هذه الأخيرة، في الواقع، سوى تكريس لعلاقات القوّة، ولا تفعل التطوّرات الأخيرة سوى تأكيد صحّة هذه الملاحظات.
مهما كانت الأحداث المطروحة، نجد أنفسنا اليوم أمام هاوية مجتمع استسلم لموازين القوى، ولهمجيّة تضارب المصالح، ولسياسات الهيمنة الّتي تتجاهل تمامًا قواعد المدنيّة الديمقراطيّة. نحن أمام سيناريوهات من الصّراعات القاتلة، وأمام حرب دامية يتصارع فيها الكلّ ضدّ الكلّ، كما نظّر لها هوبز. ففي عالم عدميّ كعالمنا، لا ينفع الاستناد على حجج دولة القانون، ما دمنا تحت رحمة موازين القوى، وإملاءات الإيديولوجيا الإسلاميّة المتشدّدة، وتقلّبات نظام إقليميّ متفكّك.
تفضح الحادثة الدبلوماسيّة الّتي وقعت في واشنطن الأسبوع الماضي، ضعف دبلوماسيّة لا تمتّ إلى المهنيّة والتبصّر، وجاهلة، تتحرّك وفق أهواء دبلوماسيّين مزعومين، أو سياسيّين ظرفيّين، ومصالحهم. إنّهم مجرّد وسطاء يمثّلون مصالح الأوليغارشيّين القائمين، وأجنداتهم المتحوّلة. وقد قدّم الوفد الّذي كان على رأسه قائد الجيش مثالًا نموذجيًّا لهذه الممارسات الحكوميّة والسياسيّة الّتي تعكس الأجندات الشخصيّة والطائفيّة المتحكّمة بالعمل السياسيّ والدبلوماسيّ. ولا تُعتمَد المصلحة الوطنيّة، والصّالح العام، والسّعي إلى التّوافق، والأداء المهنيّ، كمعايير موجِّهة، ولا جدوى من البحث عنها.
أمّا تصريح قائد الجيش بشأن حزب الله، فكاشفٌ على أكثر من صعيد: جهل الثّقافة السياسيّة الأميركيةّ القائمة على النّقد، والصّرامة، والشّفافية، بشكل كامل؛ ورفض المواضيع المحرّمة الّتي تُرفع إلى مستوى قاعدة سلوك، ورقابة فكريّة؛ والحوار الطّليق؛ والحساسية تجاه الكذب، والمجاملة غير المبالية بالحقيقة. وقد سلّطت إجابة قائد الجيش، رودولف هيكل، على سؤال السيناتور ليندسي غراهام، الضّوء، على خلافات عميقة بين السّلطة اللبنانيّة والإدارة الأميركيّة، على الرغم من ارتباط الطرفيْن باتّفاقات أمنيّة، وهدنة تفاوضت عليها الأخيرة، وأقرّتها.
يتعلّق السّؤال المطروح في هذه المرحلة بمستقبل اتّفاقات التّعاون في ظلّ غياب الأسس الأوليّة. فالمسألة ليست خطأً في المسار، بل خيارات متعمّدة. ما جدوى الاستمرار في سياسة دعم الجيش اللبنانيّ في وقت تمضي فيه العمليّة المرتبكة، والمطوَّلة بلا مبرّر، في مسارها، وقد فقدت أهداف نزع السّلاح، وإنهاء الامتيازات السياسيّة والعسكريّة خارج الحدود، قيمتها؟ هل تخدم هذه الوضعيّة بوضوح اصطفافًا صارمًا مع رواية حزب الله، ومع المناورات المستمرّة بشأن تطبيق الاتّفاقات؟ يصطدم هذا المسار، غامض المعالم، بالتزامات لم تُحتَرم، ومواعيد تأجّلت بلا نهاية، وإرادة معلَنة للالتفاف، والتّخريب.
يعكس تساؤل السيناتور غراهام، الّذي تبنّاه أيضًا النّائب دارين لحود، وتوسّع فيه في جلسة استماع لجنة الشّؤون الخارجيّة في الكونغرس، بتاريخ الثّالث من شباط 2026، إجماعًا واسعًا بين الحزبيْن. يتعلّق هذا الإجماع بضرورة نزع سلاح حزب الله، وتفكيك المنظومة الّتي بناها على مدى أربعة عقود. والخلاصة بسيطة: قد ينجو هذا التّحالف، على نحو غير متوقّع، من انسحاب السّلطة اللبنانيّة بشكل فعليّ.
لم يعدْ تغيّب مجلس الوزراء، ومناورات السّلطة التنفيذيّة المضلِّلة، وطابع البرلمان الهزيل الصوريّ، والخاضع لسلطة أمراء الحرب، والأوليغارشيّين الّذين نُصّبوا زعماء برلمانيّين، يترك مجالًا للالتباس. وبعيدًا عن الجدل المكرَّر، تبرز ضرورة طرح السّؤال الجوهريّ حول قدرة اللبنانيّين على التّماهي مع مبادئ الديمقراطيّة الليبراليّة، والاستقلال الوطنيّ، وهي مبادئ يقوّضها باستمرار الإسلام السياسيّ الإيرانيّ، وأتباعه في الأوساط السنيّة، وأوليغارشيّو ما بعد الحرب، فضلًا عن تيّارات اليسار التوتاليتاريّ.
يعيدنا تكرار مأساة انهيار المباني في طرابلس إلى مواجهة واقع سلطة أوليغارشيّة منغلقة أمام مقتضيات دولة القانون، حيث من المفترض أن ترتكز الحياة السياسيّة إلى حقوق المواطنين، وحريّاتهم الأساسيّة. غير أنّ الممارسة السياسيّة في هذا السّياق تعاني عجزًا شاملًا، وتسعى إلى طمس البعد النقديّ، والإصلاحيّ، والمساواتيّ، المتعلّق بالحياة السياسيّة في جمهوريّة ديمقراطيّة.
يساهم تكرار هذه المآسي المروّعة في تحويلها إلى وقائع عاديّة، بدل إثارة موجات احتجاج. ومن غير المقبول أن تفرَّغ قضايا السّياسات الحضريّة، والعدالة الاجتماعيّة من مضمونها، تحت وطأة البنية الأوليغارشيّة الّتي تتحكّم بالحياة السياسيّة في هذا البلد. ويُختَزل هكذا الإطار المؤسسيّ إلى محاكاة دستوريّة مشوَّهة، وعديمة الجدوى. ولا تؤدّي مآسٍ إنسانيّة بهذا الحجم إلى سقوط الحكومة، ولا تدفع إلى مراجعة واقع حياة سياسيّة منحرفة، ومنغلقة أمام أي أفق.
مواضيع ذات صلة :
حصر السلاح شمال الليطاني: قرار داخلي يحدّد حجم الدعم الخارجي! | الانضباط الداخلي والقيود المالية.. “الحزب” في مواجهة ضغوط مزدوجة | مأساة طرابلس: ما هي تفاصيل خطّة الحكومة؟! |




