إيران تُعزّز سباقها الصاروخيّ لاقتناء صواريخ بالستيّة جديدة

ترجمة هنا لبنان 14 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

يُعتقد أنّ التّرسانة الصاروخيّة الإيرانيّة قد تعزّزت بنحو 700 صاروخ إضافيّ في أقلّ من عام. وإن استحال التحقّق من الرّقم الّذي تطرّقت إليه مصادر أمنيّة متعدّدة بشكل مستقلّ، إلّا أنّه يعكس تسارعًا ملحوظًا في جهد الجمهوريّة الاسلاميّة العسكريّ، ويُجدّد المخاوف بشأن التّوازن الاستراتيجيّ الإقليميّ.

مع ذلك، يشير الأخير إلى أنّ “تسليم الوقود الخاص بأنواع محدّدة من الأسلحة يدلّ على استئناف النّشاط الإنتاجيّ بشكل كبير”. وهذا يعني أنّ المؤشّرات الصناعيّة، وسلاسل الإمداد، والبيانات اللوجستيّة تشير إلى تكثيف مستمرّ في تصنيع الصّواريخ، بما يتجاوز مجرّد التّقديرات العدديّة.

ويبقى تنامي النّفوذ هذا غامضًا بشكل كبير. “لا أحد يعلم شيئًا”، قالها عالم الجريمة والمتخصّص في قضايا الأمن ألان باور، حاسمًا. مع ذلك، يؤكّد المسؤول عن قطب الأمن والدّفاع والاستخبارات، وأستاذ علم الجريمة في المعهد الوطنيّ للفنون والمهن، إنّ “شحنات الوقود المخصّص لأنواع معيّنة من الأسلحة تشير بوضوح إلى عودة النّشاط الإنتاجيّ بشكل ملحوظ.”

بعبارة أخرى، ما يتجاوز التّقديرات الخام هي التدفّقات الصناعيّة، وسلاسل الإمداد، والمؤشّرات اللوجستيّة الّتي توحي بتكثيف تصنيع الصّواريخ بشكل دائم.

وللتّذكير، تأتي هذه الديناميّة بعد مرحلة من الخسائر الكبيرة، مُنيت بها التّرسانة الإيرانيّة. ففي المواجهة المباشرة مع إسرائيل في حزيران 2025، أشارت تقييمات غربيّة متعدّدة إلى أنّ ما بين 800 و1000 صاروخ باليستيّ إيرانيّ قد دُمّرت على الأرض، أو اعتُرضت قبل إطلاقها لاستهداف مخازن، وقوافل، ومنصّات إطلاق. كما طالت الضّربات البنية التحتيّة الخاصّة بالإطلاق. وقُضيَ على نحو 65% من منصّات الصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة، إذ قُضيَ على أكثر من 120 منصّة، ما قلّص بشكل كبير قدرة الجمهوريّة الإسلاميّة على تنفيذ عمليّات فوريّة.
وبحسب تقديرات مختلفة، امتلكت إيران قبل هذه الضّربات نحو 2000 إلى 3000 صاروخ باليستيّ. وبعد الضّربات، وإطلاق أكثر من 600 صاروخ في فترة الصّراع، يتراوح المخزون الحاليّ بين 1000 و1500 وحدة صالحة للتّشغيل، أي أقلّ من نصف القدرة الأصليّة. وفي هذا السّياق من الاستنزاف، وإعادة البناء المتسارعة، تندرج التّقديرات الّتي تفيد بتصنيع مئات الصّواريخ الجديدة.

وفي هذا الإطار، يسلّط موقع Ici Beyrouth الضّوء، من جديد، على حجم التّرسانة الباليستيّة الإيرانيّة الحقيقيّ، وتركيبها، وفئات الصّواريخ المختلفة الّتي تملكها الجمهوريّة الإسلاميّة ، ومداها، وقدرتها الضّاربة الحاليّة في مواجهة خصومها الإقليميّين.

ترسانة صاروخيّة في قلب الاستراتيجيّة الإيرانيّة

تعتمد القوّة العسكريّة الإيرانيّة بشكل كبير، ومنذ عقديْن، على برنامج الصّواريخ الباليستيّة. وبغياب سلاح جوّ حديث مماثل لما يمتلكه خصومها الإقليميّون، استثمرت طهران بكثافة في هذه الوسائط القادرة على الضّرب عن بعد، سواء برؤوس تقليديّة أو من دونها. وهكذا، تتألّف التّرسانة الإيرانيّة اليوم من عائلات متعدّدة من الصّواريخ، مصنّفة بحسب مداها.

الصّواريخ قصيرة المدى

تشكّل الصّواريخ قصيرة المدى فئة التّرسانة الباليستيّة الإيرانيّة الأولى، وتمثّل قاعدتها الكميّة. وبمدى يقلّ عادة عن 1000 كيلومتر، صُمّمت هذه الوسائط لتنفيذ ضربات سريعة في البيئة الإقليميّة المباشرة. ومن أبرز النّماذج “فاتح-110″، وهو صاروخ يعمل بالوقود الصّلب، معروف بمرونة حركته ودقّته، وقادر على بلوغ نحو 300 كيلومتر. أمّا “ذو الفقار”، النّسخة المطوّرة، فيمكنه إصابة أهداف على مسافة تصل إلى 700 كيلومتر، في حين أنّ “قيام-1″، المشتقّ من تقنيّات كوريّة شماليّة، فاستُخدم خاصّة في الضّربات التي شنّها الإيرانيّون ضدّ قواعد أميركيّة في العراق عام 2020. ويُخصّص مجموع هذه الصّواريخ لعمليّات إقليميّة دقيقة تستهدف منشآت عسكريّة قريبة، أو بنى تحتيّة استراتيجيّة، أو مواقع خصوم في الخليج.

الصّواريخ متوسّطة المدى

أمّا الفئة الثّانية الأكثر استراتيجيّة، فتضمّ الصّواريخ الباليستيّة متوسّطة المدى، القادرة على بلوغ ما بين 1000 و3000 كيلومتر. وتشكّل هذه الوسائط العمود الفقريّ لقدرة الرّدع الإقليميّة الإيرانيّة، إذ تتيح لها تغطية منطقة الشّرق الأوسط بكاملها. ومن أبرز النّماذج “شهاب-3″، وهو واحد من ركائز البرنامج الباليستيّ الإيرانيّ التاريخيّة الّتي تتميّز بمدى يصل إلى نحو 1300 كيلومتر. ويُعتبر “عماد” نسخة مطوّرة، وهو مزوَّد بنظام توجيه محسّن لتحسين دقّة الضّربات. أما “سجّيل”، فهو صاروخ معتمد على الوقود الصّلب وأسرع في الانتشار، وبإمكانه بلوغ نحو 2000 كيلومتر. وتمنح هذه الصّواريخ طهران، إذا اجتمعت، القدرة على استهداف مواقع في قلب الأراضي الاسرائيليّة، أو قواعد أميركيّة منتشرة في المنطقة، ما يعزّز موقعها الردعيّ في مواجهة خصومها.

الصّواريخ الثّقيلة وطويلة المدى

تتربّع على عرش هذه البنية الباليستيّة الفئة الأكثر ثقلًا وسرعة، وهي الصّواريخ بعيدة المدى ذات القدرة الكبيرة على حمل الشّحنات.

يُعتبر “خرمشهر-4″، الذي كُشف عنه مؤخّرًا، المثال الأبرز على ذلك. فبمدى قد يصل إلى نحو 2000 كيلومتر، يستطيع هذا الصّاروخ حمل شحنة مفيدة، وبالغة الأهميّة، تكفي نظريًّا لاستيعاب رؤوس تقليديّة متعدّدة.

وبحسب تحليلات غربيّة مختلفة، إنّه مستوحى من نموذج أوليّ من كوريا الشماليّة، مُعدّل ومُحدّث بشكل كبير. ويؤكّد ألان باور قائلًا: “تمامًا كأي أداة تتمتّع بقوّة أكبر وبمدى أبعد، يغيّر الأخير التّوازن العسكريّ”. ويضيف: “تصميمه مستوحى من نموذج كوريّ شماليّ إنّما أُضيفت إليه تحسينات كبيرة”.

تبقى المسألة المركزيّة، حجم الصّواريخ المصنّعة الفعليّ. إذ يبقى التحقّق بشكل علنيّ من التّقديرات الّتي تشير إلى اقتناء 700 وحدة إضافيّة في أقلّ من عام، غير ممكن. لكنّ مؤشّرات كثيرة توحي بتسارع صناعيّ: تدفّق متزايد للوقود الخاص، ومضاعفة الاختبارات، ونشاط مكثّف في بعض المواقع العسكريّة.

وبالنسبة إلى ألان باور، تتبع المقاربة الإيرانية منطقًا مزدوجًا يجمع بين كميّة الصّواريخ ودقّتها، على غرار النّموذج الصينيّ: الكميّة والتكنولوجيا. وتسعى طهران بذلك إلى زيادة عدد الصّواريخ المتاحة، ودقّتها في آن، للحفاظ على قدرة ضرب موثوقة في مواجهة أنظمة الدّفاع الصاروخيّ المعادية.

قدرة الضّرب والمصداقيّة الاستراتيجيّة

ما هي اليوم قدرة إيران الفعليّة على ضرب خصومها؟ هنا أيضًا، لا مجال لليقين. ويقول ألان باور: “تكفي هذه القدرة، مع ذلك، لدفع الولايات المتّحدة إلى تعزيز وسائلها الدفاعيّة بشكل كبير”.

فالقواعد الأميركيّة في الخليج، في العراق أو في سوريا، وكذلك في إسرائيل، تقع ضمن نطاق عمل جزء كبير من الصّواريخ الإيرانيّة. بالتّالي، ليست المسألة في المدى بقدر ما هي في الدقّة، والقدرة على اختراق أنظمة الاعتراض.

والواقع أنّ العقيدة الإيرانيّة تتجاوز الصّواريخ بحدّ ذاتها، إذ تقوم على استراتيجيّة الإغراق. وتتجلّى الفكرة في إغراق أنظمة الدّفاع الصاروخيّ المعادية برشقات، تجمع بين صواريخ باليستيّة وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة. ويؤكّد ألان باور: “يحدث هذا فعلًا بفضل الطّائرات المسيّرة، شاهد.” وتبقى أنظمة الدّفاع الإسرائيليّة، آرو، ومقلاع داوود، والقبّة الحديديّة، فعّالة في مواجهتها، “بنسبة 90% وفق تحليلات حرب الاثنيْ عشر يومًا”، بحسب تقدير الخبير، في إشارة إلى معدّلات اعتراض مرتفعة إنّما ليست مطلقة.

ويبقى أمر أساسيّ مجهولًا، وهو جزء التّرسانة الإيرانيّة العامل فعليًّا. وما هو عدد الصّواريخ الجاهزة للاستخدام الفوريّ؟ وما هو العدد الّذي يحتاج إلى صيانة أو جمع؟ ويقرّ الخبير في علم الجريمة قائلًا: “لن ندرك ذلك سوى بعد اندلاع صراع”.

في ظلّ القواعد الموجودة تحت الأرض، والقوافل الليليّة، تواصل التّرسانة الباليستيّة الإيرانيّة نموّها، بين استعراض قوّة واستراتيجيّة ردع. الأرقام متداولة، أمّا الموجود فعلًا فأقلّ بكثير. مع ذلك، يبقى أمر واحد ثابتًا: يتسارع السّباق الصاروخيّ في الشّرق الأوسط بشكل صامت، قد تكون تداعياته كفيلة بإعادة رسم التّوازنات العسكريّة الإقليميّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us