زيارة العماد هيكل إلى واشنطن: الدّعم الأميركيّ ومعضلة نزع سلاح “الحزب”

ترجمة هنا لبنان 15 شباط, 2026

كتب Fred Khair لـ“Ici Beyrouth”:

أثارت زيارة قائد الجيش اللبنانيّ العماد رودولف هيكل الأخيرة إلى الولايات المتّحدة، موجة واسعة من التّحليلات حول مستقبل المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة، واستمراريّة الدّعم الدوليّ لها، لا سيّما من جانب واشنطن. غير أنّ حصيلة الزّيارة تبدو إيجابيّة في محصّلتها العامة: فالدّعم الأميركيّ للجيش اللبنانيّ مستمرّ، بما يؤكّد ثقة راسخة بهذه المؤسّسة الّتي تُعتبر أحد أعمدة الاستقرار في البلاد. وأكّدت هذه الزّيارة أيضًا أنّ ربط المساعدات العسكريّة الأميركيّة بمسار نزع سلاح حزب الله، وبانخراط الحكومة اللبنانيّة الفعّال في هذا المسار، بات يُنفَّذ اليوم بدرجة أعلى من الصّرامة.

وتؤكّد هذه المقاربة انسجامها مع المواقف الأميركيّة حيال التطوّرات في الشّرق الأوسط ولبنان، لا سيّما في إطار قانون تفويض الدّفاع الوطنيّ الّذي أقرّه الكونغرس، ووقّعه الرّئيس دونالد ترامب في كانون الأوّل الماضي، وهو قانون ربط تقديم المساعدات العسكريّة إلى لبنان بإحراز تقدّم ملموس في هذا المجال.

غراهام وهيكل: بين الحزم الأميركيّ وحسابات الدولة اللبنانيّة
حظيَ تصريح السيناتور ليندسي غراهام، الّذي نشره على حسابه في منصّة “إكس” X بعيْد لقائه العماد هيكل، بتغطية إعلاميّة واسعة، حيث أشار إلى أنّه علّق الاجتماع بعدما وجّه سؤالًا إلى قائد الجيش، تناول فيه تصنيف حزب الله كمنظّمة إرهابيّة.
لا يبدو ردّ العماد هيكل السلبيّ، في حال وضعه في السّياق اللبنانيّ، خارجًا عن تعقيدات الواقع السياسيّ والمؤسساتيّ في البلاد، حيث تخضع المؤسّسة العسكريّة لقرارات سلطة تنفيذيّة شرعيّة، ولا تعمل بمعزل عنها. وقد تفاجأ بعض المراقبين بهذا الردّ، غير أنّه شكّل حدود الدّور العسكريّ في نظام ديمقراطيّ قائم على الفصل بين السّلطات.

وتؤيّد شريحة واسعة من اللبنانيّين، لا سيّما ضمن معسكر السياديّين، التشدّد الّذي أبداه غراهام إزاء الوكلاء الإيرانيّين، وتدرك في الوقت عينه القيود السياسيّة والدستوريّة المؤثّرة على أداء هيكل. غير أنّ هذه الشّريحة بالذّات تدعو الحكومة إلى مزيد من الحزم، والوضوح، والسّرعة، في مقاربة ملفّ نزع السّلاح.

ويستند موقف غراهام إلى مسار طويل من المواجهة السياسيّة مع حزب الله وحلفائه. إذ يدعو السيناتور الجمهوريّ منذ سنوات إلى تفكيك الشّبكات الإيرانيّة في المنطقة، ويُحمّلها مسؤوليّة الاعتداءات الدّامية في بيروت في ثمانينيّات القرن الماضي، لا سيّما تفجيريْ السفّارة الأميركية في عاميْ 1983 و1984، والهجوم على مقرّ قوّات المارينز العسكريّ، إضافة إلى اغتيال عدد من المواطنين الأميركيّين.

تُضاف إلى هذه الاتّهامات، تلك الموجّهة إلى حزب الله في قضيّة اغتيال رئيس الوزراء السّابق رفيق الحريري، فضلًا عن اتّهامه بالضّلوع في تصفية عدد من الشخصيّات السياسيّة اللبنانيّة. ورغم ما أثارته سياسة التدخّل من انتقادات شرسة، يجدر التّذكير بأنّها ساهمت في تحقيق إنجاز بارز تمثّل بانسحاب الجيش السوريّ من لبنان عام 2005.

حزب الله مسؤول أيضًا عن أحداث أيّار 2007، وعن احتلال بيروت المسلّح، وممارسة نفوذ قسريّ طويل الأمد على اللبنانيّين، وعلى مؤسّساتهم السياسيّة. وقد تورّط الأخير عسكريًّا في سوريا على مدى سنوات، دعمًا لنظام بشّار الأسد، وأشعل حروبًا مدمِّرة خدمة لمصالح الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، من دون الرّجوع إلى الدولة اللبنانيّة.

وتعزّز هذه الوقائع صورة فاعل مهيمن، ومزعزع للاستقرار في داخل الدولة، ما يفسّر إصرار عدد من المسؤولين الأميركيّين على المطالبة بإجراءات حازمة وملموسة حياله.

في المقابل، يعتمد العماد هيكل مقاربة دقيقة تقوم على صون تماسك المؤسّسة العسكريّة ومصداقيّتها، توازيًا مع السّعي إلى تنفيذ مسار نزع السّلاح وفق القرارات الصّادرة عن الحكومة اللبنانيّة، والآليّة الّتي تعتمدها لجنة مراقبة وقف إطلاق النّار، الميكانيزم، في محاولة للجمع بين متطلّبات السّيادة الداخليّة، وضغوط الشّراكات الدوليّة.

الكشف عن نفق يضع حزب الله تحت الضّغط
شكّلت زيارة العماد هيكل إلى الرّياض محطّة ناجحة إضافيّة، عزّزت العلاقات الثنائيّة، وأعادت تأكيد الدّعم للجيش اللبنانيّ. وفي موازاة ذلك، حقّقت القوّات المسلّحة اللبنانيّة تقدّمًا ميدانيًّا لافتًا، إذ كشفت عن نفق أرضيّ كبير تابع لحزب الله، وأحكمت السّيطرة على معابر سرّية لتهريب الأسلحة على طول الحدود الشرقيّة مع سوريا، فيما تواصل انتشارها في مناطق الجنوب اللبنانيّ بالتّنسيق مع قوّات اليونيفيل. وقد أشادت القيادة المركزّية الأميركيّة CENTCOM بعمليّة النّفق، وأثنت على كفاءة الجيش اللبنانيّ، واحترافيّته.

على الصّعيد السياسيّ، اتّسمت تصريحات أمين عام حزب الله نعيم قاسم الأخيرة، بنبرة أكثر تصالحًا تجاه رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، ورئيس الحكومة نوّاف سلام، ما عكس تحوّلًا تدريجيًّا نحو التّهدئة في موقف الحزب، بعد مرحلة من التوتّر والانتقادات كانت قد طالت عون.

تتباين هذه التطوّرات بشكل لافت مع ردّ فعل حزب الله العنيف في آب 2013، عندما قوبلت انتقادات محدودة، وجّهها رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان آنذاك، ترافقت مع دعوة إلى فتح نقاش حول استراتيجيةّ دفاع وطنيّة، بهجمات صاروخيّة استهدفت القصر الجمهوريّ في بعبدا. أمّا اليوم، فيبدو أنّ الحزب يميل إلى اعتماد المناورة السياسيّة، وخطاب أكثر تصالحًا، أمام مسار نزع سلاح فعليّ، ما يعكس تحوّلًا ملحوظًا في ميزان القوى لصالح الدولة اللبنانيّة.

الشّروط الأميركيّة والتحدّيات المقبلة
على الرّغم من هذه التطوّرات، تبقى الشّروط الأميركيّة صارمة وغير قابلة للتّفاوض. والحكومة اللبنانيّة مدعوّة إلى الانخراط بجديّة لتسهيل مهمّة العماد هيكل، وإنجاح مسار نزع السّلاح، لا سيّما مع اقتراب المؤتمر الدوليّ لدعم الجيش المزمع عقده في باريس، في شهر آذار المقبل. ويتعيّن أن يترجَم هذا الأمر بوضع جدول زمنيّ واضح، وتوجيهات دقيقة ومحدّدة للقيادة العسكريّة.
كذلك، تقع على عاتق الحكومة مسؤوليّة منع حزب الله من إعادة بناء قوّته العسكريّة بأي شكل من الأشكال، بما يكفل استقرار الدولة اللبنانيّة، وصون سيادتها على المدى الطّويل.

توازن هشّ إنّما واعد
تجسّد زيارة العماد هيكل إلى الولايات المتّحدة الدّعم الأميركيّ للجيش اللبنانيّ، وتشديد المطالب المرتبطة بنزع سلاح حزب الله. ورغم أنّ الطّريق لا يزال محفوفًا بالعقبات، فإنّ ثمّة عوامل قد تشكّل أساسًا راسخًا لتعزيز سيادة لبنان وأمنه: التزام واضح وسريع تبرهن عنه الحكومة اللبنانيّة، يترجم إدراكها الكامل لحجم التحدّيات، عبر دعم مهمّة القيادة العسكريّة بشكل عمليّ، وممارسة ضغط دوليّ متواصل، إلى جانب تأييد شعبيّ وازن. ويفتح تكامل هذه العناصر المجال أمام تعزيز استقرار البلاد تدريجيًّا، وتمكينها من بلوغ حالة من السّيادة الكاملة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us