الصوم الكبير… رحلة روحية نحو القيامة وتجديد النفس

لبنان 16 شباط, 2026

بدأ اليوم الإثنين السادس عشر من شباط أول أيام الصوم الكبير لدى الكنائس الشرقية الكاثوليكية، وهو زمن روحي مميز يمتد لأربعين يومًا، استعدادًا للاحتفال بعيد القيامة المجيد. ويمثل الصوم الكبير فرصة للمؤمنين لتجديد علاقتهم بالله، وتأمل الذات، وإعادة ترتيب الأولويات الروحية والأخلاقية.

والصوم الكبير ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو مسار شامل للروح والجسد والفكر. حسب ما أشار إليه علماء الكنيسة، الصوم هو “فترة انقطاع ليس عن الطعام والشراب فحسب، بل عن كل التطلعات الشهوانية ومسرات الجسد وملاهي الدنيا”، مع التزام نباتي وتقشف يعكس الجانب السلبي للصوم. أما الجانب الإيجابي فهو “التفرغ للعبادة والشبع بالسماويات، ومن هنا تعتبر فترة الصوم بمثابة تكريس للنفس، فيها تكريس الزمن لحساب الله والحواس كلها من أجل الشبع بالرب”.

الصوم الكبير في الإنجيل
الصوم الكبير متجذر في الكتاب المقدس، حيث جسد المسيح نفسه الصوم كقدوة للمؤمنين. بحسب ما جاء في الأناجيل، صام المسيح أربعين يومًا وأربعين ليلة، “وعندما صام يقول عنه الكتاب إنه (جاع أخيراً) بحسب إنجيل متى 2:4، وبطرس الرسول يقول عنه في سفر أعمال الرسل 10:10 (فجاع كثيراً واشتهى أن يأكل)، وفي العهد القديم نجد أن موسى النبي عندما صام (لم يأكل خبزاً، ولم يشرب ماء) بحسب سفر الخروج 28:34”.
ويذكر إنجيل متى أيضًا قول المسيح: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (متى 4:4)، ما يؤكد أنّ الصوم ليس مجرد الامتناع عن الماديات، بل هو الارتقاء بالنفس إلى الروحانيات والاقتراب من الله.

الصوم بين الكنائس الشرقية والغربية
يختلف الصوم الكبير بين الطوائف الشرقية والغربية، لكنه يشترك في الهدف الروحي الأساسي، وهو التوبة والارتداد إلى الله.
• الكنائس الغربية (الكاثوليكية اللاتينية): يبدأ الصوم يوم الأربعاء المعروف بـ “أربعاء الرماد”، حيث تُرسم على جباه المؤمنين علامة الصليب برماد أغصان النخيل والزيتون المحفوظة من أحد الشعانين. يُركز الصوم على البعد الداخلي والروحي، مع الامتناع عن اللحوم يومي الأربعاء والجمعة، وتناول الطعام بكميات معتدلة. كما يُشجع المؤمنين على أعمال الرحمة والتقشف الشخصي، ما يجعل الصوم وسيلة لتغيير القلب والسلوك.
• الكنائس الشرقية (الأرثوذكسية والقبطية): تبدأ الصوم يوم الإثنين، ويستمر لمدة 55 يومًا تشمل “أسبوع الاستعداد”، و”الصوم الأربعيني”، و”أسبوع الآلام”. يُمنع فيه تناول اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والبيض، ويؤكد على الانقطاع عن الطعام حتى الظهر أو بعده بحسب القدرة الروحية، مع تكثيف الصلوات والقداسات والتراتيل، خصوصًا في “أسبوع الآلام”. ويهدف هذا الصوم إلى تدريب النفس على ضبط الشهوات والتحكم بالإرادة والدخول في عمق معنى التوبة.

الرمزية الروحية للصوم الكبير
الصوم الكبير يرمز إلى رحلة روحية نحو التغيير الداخلي، وهو وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، والتحكم بالرغبات، وتطهير القلب من الكبرياء والخطيئة. وفق ما جاء في رسالة البابا لاوُن الرابع عشر بعنوان “الإصغاء والصوم. الصوم كزمن للارتداد”، فإنّ زمن الصوم هو فرصة لإعادة وضع سر الله في محور حياتنا، وتجديد الالتزام بالكلمة الإلهية، والاستعداد لاستقبال فرح القيامة المجيد.
ويشير البابا إلى أنّ الإصغاء للكلمة الإلهية يمثل أساس رحلة الصوم: “حالة الفقراء تمثل صرخة تسائل مستمرة في تاريخ البشرية، وحياتنا ومجتمعاتنا والكنيسة أيضًا”، وأنّ الإصغاء للآخرين هو ممارسة روحية تعزز الرحمة والمحبّة. كما شدد على ضرورة أن يكون الصوم ملموسًا، يشمل الامتناع عن الكلمات الجارحة، والافتراءات، والتحدث بسوء عن الغائبين، وتحويل اللغة إلى أداة للخير والسلام.

الصوم كوسيلة للارتداد والتقشف

الصوم الكبير ليس مجرد صوم جسدي، بل تمرين نسكي يربط الجسد بالروح، ويعيد ترتيب العلاقة مع الله والآخرين. يشير البابا إلى أنّ الصوم يسمح بتمييز الرغبات وتنظيمها، ويجعل النفس أكثر انفتاحًا على الله والخير: “فهو يعمل إذن على تمييز وتنظيم الشهوات، وعلى إبقاء الجوع والعطش إلى البر متيقظاً، وعلى حمايته من الاستسلام، وتدريبه لكي يصبح صلاة ومسؤولية تجاه القريب”.

كما يؤكد البابا على البعد الجماعي للصوم، من خلال مشاركة العائلات والجماعات الكنسية في قراءة الكتاب المقدس والصلوات والصوم عن الطعام والشراب، وهو ما يعزز الانسجام الروحي والاجتماعي.

رسائل رمزية من السياسيين

ومع بداية زمن الصوم، عبّر عدد من السياسيين عن تحية رمزية للمواطنين، مع التركيز على التأمل والتواضع، ونشر النائب راجي السعد على منصة “أكس” عبارة: “صيام مبارك”.
ومن جهته، كتب النائب ميشال معوض: “أذكر يا إنسان أنّك من التراب وإلى التراب تعود… صوم مبارك”.

أّما النائب ستريدا جعجع فكتبت عبر “إكس”: “أذكر يا إنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود… صوم مبارك للجميع”.

الصوم الكبير كمسار شامل

الصوم الكبير هو رحلة روحية متكاملة تشمل القلب والعقل والجسد، ووسيلة لتجديد النفس البشرية وممارسة الفضائل، وتعميق العلاقة مع الله، وتحقيق الانسجام الاجتماعي. وفق ما جاء في رسالة البابا لاوُن الرابع عشر، يصبح زمن الصوم فرصة للإصغاء للكلمة الإلهية، وضبط اللغة والكلمات، وتوجيه الرغبات نحو فعل الخير، وصولًا إلى فرح القيامة المجيد. الصوم بهذا الشكل يتجاوز حدود الامتناع عن الطعام، ليصبح تجربة روحية وأخلاقية شاملة تعكس جوهر الإيمان المسيحي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us