المفاوضات مع إيران وتقلّبات المماطلة

ترجمة هنا لبنان 17 شباط, 2026

كتب Charles Chartouni لـ “Ici Beyrouth“:

ليست المعضلات الّتي تتسبّب بها المفاوضات الجارية مع إيران بقليلة، لا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار التحدّيات المطروحة، بدءًا من القضايا الجيوستراتيجيّة، ومجازر النّظام الجماعيّة، وصولًا إلى تقلّبات الانهيار المفاجئ وما أدّى إليه من آثار مضرّة. ولا يمكن تجاهل أي من هذه القضايا إذا أرادت الولايات المتّحدة السّيطرة على التطوّرات السياسيّة، والأمنيّة الناتجة عنها. كما يتعيّن في أي مقاربة اعتبار التّرابطات والتّشابكات الّتي قد تتغيّر في جميع الاتّجاهات عند صياغة استراتيجيّة شاملة.
قد يشكّل أي إخفاق في هذا المجال كارثة، لأنّه يمسّ بالسّلام المدنيّ، ويؤثّر في السّكان المدنيّين المعرَّضين منذ 47 عامًا لاعتداءات ديكتاتوريّة شموليّة، وبلا رحمة. وتشكّل المجازر الأخيرة، الّتي لم تُحدَّد بعدُ أعداد ضحاياها بدقّة (بين 30,000 و80,000 ضحيّة)، إلى جانب الاعتقالات الجماعيّة، والاغتصابات، والتّعذيب، ونشر الرّعب، جزءًا من خطّة مُحكمة الإعداد على المستوييْن العملياتيّ، والنفسيّ، تهدف إلى رفع الموانع كافة، والسّماح بتمدّد المجزرة، وخروجها عن السّيطرة. ونحن أمام ممارسات شائعة في جميع الأنظمة الشموليّة الّتي طبعت القرن العشرين. إذ تعيدنا ظاهرة هذه الفظائع، الّتي ليست بجديدة، إلى التحدّيات عينها المفروضة من الأنظمة الشموليّة في القرن العشرين، وتطرح أيضًا السّؤال حول كيفيّة احتوائها، وتقليل آثارها القاتلة، وتمهيد الطّريق لبدائل عنها، واقعيّة وقابلة للتّطبيق.
أمّا السّؤال الأساسيّ المطروح، فجدوى هذه المفاوضات في ظلّ رفض الطّرف الإيرانيّ أي تبادل يتناول محاور المفاوضات الجارية الرّئيسية. ووفق السّلطات الإيرانيّة، تركّز المفاوضات على الملفّ النوويّ، لجهة تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات الماليّة، بينما لا نقاش يتناول مستقبل النّظام، لا سيّما في ظلّ تصاعد الثّورة المدنيّة، وتشكيكها في شرعيّة النّظام الاسلاميّ.
أمّا الإدارة الأميركيّة، فتجد نفسها أمام معضلة مزدوجة: الاختيار بين العودة إلى اتّفاقيات 2015، الّتي رفضها الرّئيس ترامب في ولايته الأولى، أو الاستمرار في المباحثات على أساس أوسع، يشمل نزع السّلاح النوويّ، والتّسليح التقليديّ، أي إزالة الصّواريخ الباليستيّة، وتفكيك استراتيجيّة المنصّات العملياتيّة المتكاملة في الشّرق الأوسط، وتحرير النّظام الإيرانيّ. بعبارةٍ أخرى، فالعودة إلى المرحلة الأوليّة خيانة، كما أوضح السيناتور غراهام للرئيس ترامب عندما قال إنّه: “لا يمكنه التكلّم كرونالد ريغان والعمل كباراك أوباما”.
أما المحور الأوّل فهو بالأساس تاريخيّ وبالٍ، بعد تدمير المواقع النوويّة، وأنظمة الدّفاع المرتبطة بها في 13 حزيران 2025. فكيف يمكن العودة إلى مرحلة سابقة وتجاهل التطوّرات السياسيّة والعسكريّة الّتي أعقبت هجوم 7 تشرين الأوّل 2023، والتغيّرات الجيوستراتيجيّة الناتّجة عن الهجوم المضاد الاسرائيليّ، وتأثير إعادة هيكلة الميادين السياسيّة والعسكريّة في المستوى الاقليميّ؟ نحن نواجه فعليًّا مأزقًا سياسيًّا وآخر عسكريًّا يصعب تجاوزهما. بخلاف ذلك، وصلت أزمة شرعيّة النّظام الاسلاميّ إلى حدّها الأقصى، وتقلّصت فرص المصالحة إلى حدّها الأدنى.
لم يَعُدْ من الممكن تصوّر سيناريو تفاوضيّ متسلسل، يتجاهل المفاوضات الجارية بطابعها الشموليّ. وقد يُؤدّي أي تقصير في هذا المجال إلى كارثة، إذ ستفشل الحلول الجزئيّة، وتُعيد سياسات القمع، الّتي كانت نتائجها السّابقة مهولة، إلى الواجهة، من دون أن نغفل السجلّ الكارثيّ الّذي ميّز حكمًا فاشلًا وغير فعّال، وآثاره المدمّرة على الأصعدة كافة.
لم يسلم شيء من براثن هذه الثيوقراطيّة الإسلاميّة الدمويّة إذا احتسبنا الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، والإرهاب الرسميّ، والإمبرياليّة العدوانيّة، وسياسات التّخريب، والجريمة المنظّمة. وقد أسفر حكمها عن كليبتوقراطيّة مؤسسيّة، واستحواذ على الموارد العامّة، وكوارث بيئيّة، وتقادم البنى التحتيّة، وسياسات اقتصاديّة وماليّة قديمة، وانهيارات ماليّة هائلة وما ترتّب عليها من آثار اجتماعيّة.
أصبح الفقر الجماعيّ واقعًا ملموسًا إذ يعيش نصف الإيرانيّين تحت خطّ الفقر، وباتت المجاعة الحضريّة واضحةً من خلال توسّع الأحياء العشوائيّة بشكل هائل (38 مليون نسمة، بينهم 7,5 ملايين على أطراف المقابر)، في حين تعاني المناطق الريفيّة التصحّر، ويبلغ معدّل البطالة بين السكّان النّشطين 20 إلى 40٪، وتتفشّى أمراض اجتماعيّة متنامية (4 ملايين مدمن غير معترف بهم ولا يخضعون للعلاج). تعكس هذه المؤشّرات عمليّة فقدان الشرعيّة الّتي تطورّت على مدى عقود منذ انطلاق الثّورة الدينيّة، الّتي فقدت وهجها باكرًا.
استغرق الأمر خمسة عقود للتغلّب على الرّواية والشرعيّة الّتي بنى عليها النّظام سلطته، بعد أن فقد مصداقيّته، بالكامل منذ البداية. وقد سبق أن شخّص عمل أوليفييه روي وفرهاد خسروخاور، بعنوان “كيف نخرج من ثورة دينيّة” (Seuil 1999) ، عوامل تآكل نظام مغلق ومعقّد. ومثّل هذا الفشل نهاية الإسلام السياسيّ كيوتوبيا تحوّلت بسرعة إلى ديستوبيا دمويّة. كما شكّلت كتابات حسن البنّا، الّتي استخدمها الخميني، وعلي شريعتي وغيرهم كنموذج، نهاية تاريخ الإسلام السياسيّ الإيديولوجيّ. وسيكرّس سقوط النّظام الإيرانيّ التّاريخ السياسيّ بفصله الأخير، في مشهد يستحضر الاستعارة الفكريّة الّتي أوردها إلي هيليفي في مؤلّفه تاريخ الاشتراكيّة.
يُعتبر الأسطول الّذي حشدته الإدارة الأميركيّة أبلغ دلالة من المفاوضات الجارية، لأنّ المغالطات الّتي تحدّد هذه المفاوضات من جميع جوانبها، قاطعة. فموضوع النّقاش مُعطّل منذ البداية، وفرص إعادة تأهيل حوار دبلوماسيّ متوازن تكاد تكون معدومة. والعامل الوحيد الّذي يبرّر استمرار النّقاش هو المتعلّق بالاعتبارات الاستراتيجيّة غير القابلة للتّقدير، والتّداعيات الجيوسياسيّة الخارجة عن السّيطرة، الّتي قد تشعل البنى الفرعيّة الإقليميّة المتفكّكة.
تمتدّ المخاوف على جغرافيا الشّرق الأوسط السياسيّة بكاملها، من جنوب آسيا إلى آسيا الوسطى والغربيّة. وإن توجّست الإمارات، ودول الخليج، والمملكة العربيّة السعوديّة من النّظام الإيرانيّ، فيشغلها ظهور محور جيوستراتيجيّ جديد يضمّ إيران، وإسرائيل، والولايات المتّحدة، وتخشى الآثار البنيويّة الّتي تترتّب على هذه التّحالفات، سواء على المستوى السياسيّ، أو الجيوسياسيّ.وينطبق الأمر عينه على تركيا الّتي تخشى تداعيات تطويق جيوسياسيّ، وانعكاساته على السّاحة السياسيّة التركيّة المشتعلة.

تتمحور الخلافات بين الإدارة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة حول ترتيب الأولويّات أكثر منها حول تباين في الرّؤية. ويصعب لمراقب المفاوضات أن يرى مخرجًا من حبكةٍ تتّسم بتناقضات متشابكة. ويستحيل العودة إلى شروط مفاوضات تجاوزتها رهاناتها، في مجتمع يعيش غليانًا ثوريًّا، ويرفض الاستسلام لرهبة عنف عدميّ لا يتوقّف عن القتل، والتّخطيط لارتكاب مجازر جديدة. وتبدو الحرب حتميّةً ما لم تدرك بعض تيّارات النّظام الإيرانيّ ضرورة انتقال تفاوضيّ بين الأطراف الإيرانيّة كافة، وبرعاية من الولايات المتّحدة. فالديستوبيا الدمويّة صعبة التّحويل، ورحيلها مكلف إلى حدّ كبير.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us