لبنان على صفيح ساخن: زيادات رواتب القطاع العام تُلهب الأسعار وتفرّق المواطنين!

خاص 17 شباط, 2026

 

توقيت القرار يُثير علامات استفهام، إذ يشبه إلى حدٍّ بعيد المُناخ الذي سبق إقرار سلسلة 2017 قبل أشهر من انتخابات 2018، فالبعد الشعبوي والانتخابي حاضر بقوة، لا سيما أنّ هذا الإجراء لم يُطرح ضمن مشروع الموازنة الذي نوقش في مجلس النواب قبل أسابيع، بل أتى تحت ضغط الشارع واقتراب الاستحقاق الانتخابي.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

على وقع أزمة معيشية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستوى الدخل الحقيقي للأسر، اتخذ مجلس الوزراء سلسلة قرارات مالية أثارت جدلًا واسعًا في الشارع اللبناني. فقد أقرّ زيادات ضريبية جديدة، شملت رفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1% وزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، في خطوةٍ تقول الحكومة إنّها تهدف إلى تأمين إيرادات لتمويل زيادات القطاع العام والمتقاعدين والعسكريين.

غير أنّ هذه الإجراءات وضعت السلطة التنفيذية مجدّدًا في مواجهة مباشرة مع الرأي العام، في ظلّ مخاوف من أن تؤدّي الضرائب غير المباشرة إلى موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، تطال السلع الأساسية والخدمات وكلفة النقل والتدفئة. وبين تبرير رسمي يقوم على ضرورات الخزينة، وانتقادات تعتبر أن المعالجة افتقرت إلى رؤية إصلاحية شاملة، برزت تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد اللبناني المُنهك على استيعاب أعباء إضافية، وحول انعكاسات هذه القرارات على الاستقرارَيْن الاجتماعي والنقدي في المرحلة المقبلة.

فقد أعلن رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، رفضه المطلق للرسوم والضرائب التي أُقرّت أمس لتمويل زيادات القطاع العام والمتقاعدين والعسكريين، معتبرًا أن الحكومة اختارت تحميل المواطنين كلفة قراراتها بدل البحث عن بدائل تمويلية عادلة ومستدامة.
وأكّد الأسمر أن الزيادة المقرّة “لا تفي بالمطلوب ولا تدخل في صلب الراتب”، فيما جرى اقتطاع كلفتها عمليًّا من جيوب اللبنانيين قبل أن تُطبّق، عبر فرض ضرائب ورسوم جديدة ترهق الفئات العمالية والعسكرية وتنعكس سلبًا على مختلف شرائح المجتمع”. وشدد على “أنّ أي زيادة شكلية ستتآكل سريعًا بفعل ارتفاع الأسعار، محذّرًا من تداعيات مباشرة على أسعار السلع الأساسية، وكلفة التدفئة، والنقل، وسائر الخدمات، ما سيؤدّي إلى موجة غلاء جديدة تطال الجميع بلا استثناء”.
وأضاف أنّ هذه الزيادة بصيغتها الحالية ستؤدّي إلى وضع المواطنين في مواجهة بعضهم البعض، إذ سيجري تصوير المستفيدين منها وكأنّهم سبب الأعباء الجديدة، فيما الحقيقة أنّ الخلل يكمن في غياب رؤية اقتصادية عادلة وشاملة. واعتبر أنّ تحميل فئة من اللبنانيين مسؤولية تمويل زيادات فئة أخرى يُهدّد بتعميق الانقسامات الاجتماعية وضرب ما تبقّى من تضامن بين مكوّنات المجتمع.
وفي هذا السياق، أعلن الأسمر الدعوة إلى اجتماع طارئ لهيئات الاتحاد العمالي العام لبحث الخطوات التصعيدية الواجب اتخاذها “لوقف مسلسل التدمير الممنهج للطبقات العمالية”، مؤكّدًا أن الاتحاد لن يقف مكتوف الأيدي أمام سياسات مالية تزيد الأعباء على العمال وذوي الدخل المحدود.

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل أنّ القرار الحكومي الأخير بزيادة رواتب موظفي القطاع العام ست مرات “جاء بعتمة الليل”، من دون رؤية إصلاحية واضحة، محذّرًا من أن كلفته المقدّرة بنحو 800 مليون دولار ستُموَّل عبر رفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الرسوم على البنزين، ما يضع أعباءً إضافيةً على المواطنين بدل معالجة الخلل البنيوي في القطاع العام وفي المالية العامة.

وأوضح الدكتور غبريل أنّ الحكومة لا تملك اليوم هامش الاقتراض، لا داخليًّا بعدما أوقف مصرف لبنان تمويل الدولة منذ عام 2023 وعدم استطاعة أو إرادة المصارف لتمويل الدولة، ولا خارجيًّا في ظلّ استمرار التعثّر عن سداد سندات اليوروبوندز منذ آذار 2020 من دون التوصّل إلى معالجة شاملة حتى الآن. وبالتّالي، فإنّ اللجوء إلى الضرائب بات الخيار الأسهل، وإنّ كان الأكثر كلفة على الاقتصاد والمجتمع.

وأشار إلى أنّ ما يحصل اليوم يُعيد إلى الأذهان تجربة سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، حين قُدّرت الكلفة يومها بـ800 مليون دولار، لكنّها تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا، وارتفع العجز من نحو 3 مليارات دولار في الـ 2017 إلى 5.8 مليارات دولار خلال سنة واحدة في الـ 2018. وقال: “التاريخ يعيد نفسه، لكن في ظروف أصعب بكثير”. فحجم الاقتصاد اللبناني اليوم يُقدَّر بنحو 35 مليار دولار، مقارنةً بـ53 ملياراً في 2017، ما يعني أنّ العبء النسبي للزيادة الحالية أكبر بكثير، فيما أي رفع إضافي للضرائب سيؤدّي حُكْمًا إلى تغذية التضخّم وتآكل القدرة الشرائية.

وبرأي الدكتور غبريل، كان الأجدى بالحكومة أن تبدأ بإصلاح إداري ومالي فعلي قبل التفكير بزيادة الضرائب، عبر إلغاء آلاف الوظائف الوهمية، وإقفال أكثر من 90 مؤسّسة عامة وهيئة مستقلة لم يعد لها مبرّر، وتشديد مكافحة التهرّب الجمركي، إذ إن فاتورة الاستيراد التي بلغت نحو 21 مليار دولار في الـ 2025 كان يُفترض أن تدرّ ما لا يقل عن ملياري دولار كإيرادات جمركية. كما شدّد على ضرورة تفعيل الجباية ومكافحة اقتصاد الظلّ والتهرب الضريبي بدل تحميل الملتزمين أصلًا أعباء إضافية.

ولفت إلى أنّ توقيت القرار يُثير علامات استفهام، إذ يشبه إلى حدٍّ بعيد المُناخ الذي سبق إقرار سلسلة 2017 قبل أشهر من انتخابات 2018، معتبرًا أنّ البعد الشعبوي والانتخابي حاضر بقوة، لا سيما أنّ هذا الإجراء لم يُطرح ضمن مشروع الموازنة الذي نوقش في مجلس النواب قبل أسابيع، بل أتى تحت ضغط الشارع واقتراب الاستحقاق الانتخابي.
وفي معرض حديثه عن الجوانب التقنية المرتبطة بتنفيذ القرار، لفت غبريل إلى غياب الرؤية التنفيذية الواضحة، موضحًا أنه “حتى الآن لا توجد أي تفاصيل بشأن الآليّة المعتمدة لتنفيذ هذه الزيادات أو طريقة تمويلها الفعلية. فالمعروف أن رواتب وأجور العاملين في القطاع العام تُحوَّل بالليرة اللبنانية، إلّا أن الموظفين يسحبونها عمليًّا بالدولار. وبالتّالي، لا يوجد توضيح رسمي حول كيفية تسديد هذه الزيادات، وما إذا كانت هناك آليّة مختلفة ستعتمد لتغطيتها في المرحلة المقبلة”.

وختم غبريل محذّرًا من النتائج غير المحسوبة للقرار، وفي مقدّمتها ارتفاع الضغوط التضخّمية وكلفة المعيشة، واستنزاف احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان لتأمين الدولارات اللازمة لدفع الرواتب، ما قد يفاقم الطلب على العملة الصعبة، محذّرًا من استمرار هذه الضغوط من دون إصلاحات بنيوية حقيقية إذ من شأنه أن يهدّد استقرار سعر الصرف ويعيد البلاد إلى دوامة تقلّبات نقدية جديدة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us